فى انتظار الإعادة.. حرس سلاح.. فى بيتنا ثانوية عامة

كتب: جهاد عباس

فى انتظار الإعادة.. حرس سلاح.. فى بيتنا ثانوية عامة

فى انتظار الإعادة.. حرس سلاح.. فى بيتنا ثانوية عامة

فى مدينة «سبرباى» بمحافظة الغربية، تعود إحدى طالبات الثانوية العامة من دروس المراجعة بعد منتصف الليل، تبدو عليها علامات الإجهاد، بعدما حضرت درساً تلو الآخر، لأكثر من 4 ساعات متتالية، لمراجعة مادة الجيولوجيا التى تم تأجيلها ليوم السبت 2 يوليو، وذلك بعد معركة مستمرة، بين صفحة «شاومينج بيغشش ثانوية عامة»، التى تحدت كلا من وزارتَى التعليم والداخلية، وقامت بتسريب أوراق أسئلة الامتحانات قبل موعدها، ما دفع «التعليم» لتأجيل الامتحان.

{long_qoute_1}

سارة محمد، فى الصف الثالث الثانوى شعبة علمى علوم، 18 سنة، تصعد بخطوات مرهقة نحو شقتها، تفتح الباب، لتجد والدتها فى انتظارها، لا تغمض لها عين، فهذا هو حالهما طوال العام، رحلة من الإرهاق والاجتهاد والسهر، من أجل حلم لا يغيب، وهو حلم التحاق «سارة» بكلية طب أسنان جامعة طنطا.

البيت تعمه حالة تامة من الهدوء والصمت.. أجهزة التليفزيون جميعها مغلقة، بقية أفراد الأسرة يتحركون بهدوء وكأنهم يمشون على أطراف أصابعهم، حتى لا يشتتوا تركيز «سارة»، تقول والدتها، صباح الخولى، ربة منزل، وهى أم لخمسة أبناء، جميعهم قصدوا كليات قمة، على حد قولها: «أهم حاجة عندى أنا وأبوهم التعليم، لازم يتعلموا كويس، حتى قبل توفير أى متطلبات تانية لينا، البنت لما تدخل كلية قمة وتتعلم وتطلع طبيبة، دى عندى بالدنيا».

تحكى «صباح» عن رحلتها الطويلة مع ابنتها، قائلة إن نظام الثانوية العامة الحديثة، الذى يعتمد على عام واحد فقط يتحدد فيه مصير الطالب، له جوانب سلبية وجوانب أخرى إيجابية، حيث يعيش الطالب وأسرته عاماً واحداً فقط من شدة الأعصاب والتوتر، على حد قولها، وينصبّ كل تركيزه على هذا العام الذى يتحدد معه مستقبله، ولكن له جوانب أخرى سلبية، حيث يُعتبر العام مدة قصيرة، يجبر فيها الطالب على التركيز على كافة المواد العلمية مثل الكيمياء والفيزياء والجيولوجيا والأحياء، إذ كان طالب شعبة علمى علوم، مثل ابنتها «سارة»، التى تُعتبر كلها مواد ثقيلة تحتاج إلى قدر كبير من التركيز والمذاكرة.

وعن الدروس الخصوصية التى حصلت عليها ابنتها طوال العام، تقول الأم: «مش سارة لوحدها، كل البنات والولاد كده، المادة الواحدة فى الآخر بقوا بياخدوا فيها أكتر من درس خاص، وحصص مراجعة قبل الامتحان لوحدها، ممكن الحصة الواحدة تقف بحوالى 150 جنيه فى المراجعة، وفيه سناتر كبيرة بتجمع الطلاب».

وتؤكد السيدة «صباح» أن «تكاليف الدروس الخصوصية عبء كبير على أى أسرة فى مصر، ولها ميزانية خاصة فى البيت، والمدرسين عارفين طبعاً إن السنة دى مصيرية بالنسبة للطلاب، وبما أن الامتحانات جت فى شهر رمضان، دروس المراجعة بتكون أحياناً فى مواعيد بعد الفطار، ويعود الطلبة قبل السحور بساعات، وتُعتبر دروس المراجعة أمراً أساسياً قبل الامتحان».

وتقول: «أنا مهتمة بمصير بنتى فى السنة الحاسمة دى، ومن أول السنة الدراسية خليت سارة تعمل جدول فيه كل مواعيد الدروس الخصوصية، والمواد اللى هتحضرها بالكامل، ومواعيد ذهابها وعودتها للبيت، حتى تقوم بمتابعتها، وطبعاً حرصى الأول إنها ما تغيبش عن أى درس، أو تتأخر على معاده»، مضيفة: «البيت كله فى حالة طوارئ ومن أول السنة وأنا موفرة لسارة حالة هدوء علشان تذاكر». تؤكد الأم أن أسرتها لم تشهد لرمضان أى بهجة، حيث منعت استقبال أى ضيوف عندها فى البيت، حتى لا يشتت ذلك تركيز ابنتها صاحبة المهمة المستحيلة فى الثانوية العامة، كما لم تقم بإعداد أى عزائم للإفطار لديها، ولم يذهبوا هم إلى أى من أقاربهم للإفطار، مثلما اعتادوا على ذلك كل عام، قائلة: «إحنا ولا بنروح لحد ولا حد بيجيلنا، عاملين إقامة جبرية فى البيت، وحتى إخواتها ممنوعين من الفرجة على مسلسلات رمضان»، مضيفة أنها قامت بإغلاق وإبعاد جميع أجهزة التليفزيون عن البيت، وذلك لمدة 3 أشهر قبل بداية الامتحانات، حيث تُعتبر تلك الفترة هى الأهم فى التركيز والمذاكرة والمراجعة، ومن خلالها يتحدد مصير ابنتها.

تطمح «صباح» لابنتها «سارة» فى أن تصبح مثل أختها الأكبر «هدير»، وهى طالبة فى آخر عام دراسى فى كلية طب أسنان جامعة طنطا، ولكنها شعرت بالقلق وبتهديد ذلك الحلم، عندما عادت ابنتها سارة منهارة من امتحان الفيزياء، مثل بقية زملائها، حيث انتهت من الامتحان ورفضت أن تقوم بمراجعته، وعندما عادت للبيت، قامت بالاطمئنان عليها، ولكنها وجدتها فى حالة صعبة من البكاء والانهيار، وتلك الحالة شهدها معظم زملائها أيضاً، حيث جاء الامتحان غير متوقع وفوق مستوى الطالب العادى، حسب قولها.

وعن التسريبات التى شهدتها الثانوية العامة ذلك العام، تقول «صباح»: «حرام والله، أكتر ناس اتظلموا الطلبة اللى بتذاكر، هما اللى دفعوا التمن، حالة من القلق، وناس مابتفهمش وبتقف بمواد بإجابات نموذجية، وناس بتغش، والطلبة اللى تعبوا من أول السنة هما وأهاليهم تعبهم بيضيع»، مؤكدة أن تلك التسريبات ستقوم برفع تنسيق هذا العام، وسيفاجأ الجميع بطلاب كانوا دون المستوى يحتلون كليات القمة ويعبثون بأرواح المرضى، لتمكنهم من الغش فى الثانوية العامة، وبالتالى سيحاولون أيضاً الغش فى امتحانات الكلية، مضيفة أن التسريبات صنعت حالة من التوتر لدى الطلاب المجتهدين، فأصبح الطلاب لا ينامون ليلة الامتحان حتى يروا الامتحانات التى تسربها الصفحة، وتنهال عليهم الصفحة بنماذج مختلفة من الامتحانات، ولا يعرفون أياً فى تلك التسريبات صحيحاً وأيها الخاطئ.

تختتم «صباح» حديثها قائلة: «السنة دى مفيش أى أجواء رمضانية، ولا عزايم ولا خروجات، ولا فتحنا التليفزيون، ولما الامتحان اتأجل لقبل العيد، كمان مش هنعمل كحك، ولا نحضر أى حاجة من طقوس العيد، يا رب بس الامتحانات تعدى على خير». أما «سارة محمد»، طالبة الثانوى، فتحكى وهى تجلس بجوار والدتها، موضحة جدول مذاكرتها، لمادة الجيولوجيا، وهى تعتبر مادة الامتحان العلمية الأخيرة: «كان نفسى أخلص يوم 28، كلنا تعبنا وزهقنا، خاصة إننا بنمتحن فى رمضان، بس دى تُعتبر فرصة كويسة للمراجعة، خاصة إن الجيولوجيا مادة طويلة وبتتنسى بسرعة علشان فيها حفظ كتير».

وعن الروتين اليومى لـ«سارة» فى شهر الامتحانات تقول: «باحاول أذاكر بالنهار، بس تركيزى بيكون مشتت وضعيف بسبب الصيام والحر، عشان كده بأفضّل المذاكرة بعد الفطار لحد معاد السحور»، وتضيف: «ماما أكتر حد تعب معايا.. بتسهر طوال الليل معايا لمتابعتى فى المذاكرة». وعن أصعب يوم عاشته خلال فترة الامتحانات، تقول: «امتحان الفيزيا عمل لنا اكتئاب، كل الناس كانت منهارة تماماً»، وتؤكد «سارة» أن وجود حالة من الهرج والتسريبات دفعت وزارة التربية والتعليم لتقديم النماذج الأصعب من الامتحانات، والذى يدفع ثمن ذلك هو الطالب المجتهد، وليس من يقوم بتسريب الامتحانات.

وتعبّر سارة عن مخاوفها قائلة: «أنا خايفة جداً يجيبوا امتحان الجيولوجيا صعب، خاصة إن الوزارة اضطرت تأجل الامتحانات، وده معناه إنهم هيحضّرولنا حاجة صعبة جداً، مالناش ذنب إن فيه تسريبات»، وتضيف سارة أن الطلاب العاديين هم من سيدفعون ثمن تلك التسريبات، بسبب وجود ورق إجابة كثير متطابق مع النموذج المثالى للإجابة، وهو ما سيرفع التنسيق، وسيحتل من لا يستحق أماكن فى كليات القمة.

تحكى «سارة» عن الليالى الطويلة التى اجتهدت فيها، وواظبت على حضور كل دروسها، قائلة: «أنا هاعمل اللى عليّا لحد آخر يوم فى الامتحانات، وربنا كريم وهيعوض تعبنا خير»، مؤكدة أنها بمجرد سماعها أن امتحان الجيولوجيا تم تأجيله، قامت هى وكل زملائها بأخذ قسط من الراحة ذلك اليوم، بعدما شعروا بالإجهاد، بسبب السهر لأيام متواصلة فى شهر الامتحانات، مشيرة إلى أنها رغم حالة الزهق والضيق، التى يمر بها معظم طلاب الثانوية العامة، قررت أن تستغل تلك الفترة لتقسيم منهج الجيولوجيا ومراجعته.


مواضيع متعلقة