بروفايل: محمد الجندى شهيد الحلم

كتب: سماح عبدالعاطى

بروفايل: محمد الجندى شهيد الحلم

بروفايل: محمد الجندى شهيد الحلم

يذهب «الجندى» وتبقى صورته؛ وجه مستبشر لشاب صغير واقف فى ميدان التحرير يرفع إصبعيه بعلامة النصر، أو يمسك بورقة مكتوب عليها «عاجل: أنا مش بلطجى». سوف تتحول الصورة إلى أيقونة تزينها تلك الابتسامة الآسرة التى تجسد فرحة جيل كامل بثورة حلم يوماً بأنها ستغير وجه الحياة فى بلاده، فإذا بالحلم يتهاوى حين يصبح «الجندى» نفسه مجرد رقم يضاف لقائمة طويلة من أرقام أخرى تسبق أسماء من راحوا وهم يتمسكون بحلمهم، وهم يرسمون نفس الابتسامة على وجوههم المستبشرة، ويرفعون نفس الأصابع بعلامة النصر من داخل نفس الميدان، ثم يسقطون فيحملهم أصدقاء لهم على الأكتاف فى جنازات مهيبة تعبر الميدان لجامع عمر مكرم فيصلون عليهم قبل أن يودعوهم التراب، ويستديروا عائدين من حيث أتوا، يجهزون أنفسهم لنفس السيناريو إن عاجلاً أو آجلاً. «شهداء يحملون شهداء»، هذا هو الحال فى مصر، من يرفع صورة للشهيد خالد سعيد، الذى راح ضحية تعذيب الشرطة قبل أكثر من عامين، سوف يصبح عما قريب صاحب صورة مماثلة عندما يتحول إلى شهيد بالآلية نفسها. فى البداية يرفض مصيراً مشابهاً فيجيب داعى الثورة إذا دعاه لما يضمن له مستقبلاً مختلفاً، مستقبلاً يجعل من الحياة التى يعيشها الناس فى بلاده، تماماً كالحياة التى يعيشها الناس فى الدول الأوروبية، التى أدمن زيارتها. سوف ينزل الميدان تاركاً خلفه بلدة صغيرة بمحافظة الغربية، وورقة صغيرة معلقة على جدار غرفته تشهد بحصوله على بكالوريوس السياحة والفنادق، وأماً وأباً ليس لهما من أمل فى الحياة إلا رؤيته هانئاً سعيداً، سوف يتأكد تماماً من استقرار أعوامه الثمانية وعشرين على كتفيه، فيما يستقر على كفيه كفن أبيض يدرك حاجته إليه طالما أن الوضع فى بلاده لم تغيره ثورة، ولا دماء شهداء، ولا انتخابات، ولا اعتراضات، ولا مظاهرات، لا شىء سوى نفس الوجوه الكئيبة بنفس السياسات التى عفى عليها الزمن، سوف يدرك ذلك جيداً حينما تختطفه الشرطة من داخل ميدان التحرير وتحتجزه فى معسكر للأمن المركزى لمدة أربعة أيام قبل أن تتركه جسداً بلا حراك فى أحد المستشفيات على جسده آثار التعذيب الذى سيودى بحياته بعد ساعات قليلة. يرحل «الجندى» فيما يبقى حلمه معلقاً بين السماء والأرض، يطوف الشوارع والميادين، يزور المستشفيات والسجون، يرفرف بخفة فوق المظاهرات والمسيرات وقصر الاتحادية، يسرى داخل معسكرات الأمن المركزى وأقسام الشرطة، يعدد الشهداء والمصابين ومن ينتظرون مصيره، آملاً أن يأتى اليوم الذى تخلو فيه مصر من كل ما سبق، فيعود الحلم وقتها لصدر من أطلقه، لينام آمناً مطمئناً.