التحطيب.. عصا المحبة تقسو وترقص فى قبضة الصعيدى

كتب: محمد شنح

التحطيب.. عصا المحبة تقسو وترقص فى قبضة الصعيدى

التحطيب.. عصا المحبة تقسو وترقص فى قبضة الصعيدى

يقبض على العصا بيده قبضة يدق لها قلبه، يحملها فى فخر واعتزاز إلى مضمار النزال، ويلوح بها فى الأفق، رجل ستينى، قسمات وجهه قاسية كقسوة بيئته الصعيدية، رأسه مرفوع فى عزة وشموخ الملوك، نظرات عينيه حادة كالصقور، التى يحلق معها بعصاه فى عنان السماء، ينتزع آهات المجتمعين حوله، كلما قسا على خصمه بحركة فنية خلال العراك الدائر على أنغام الطبل البلدى والمزمار، تلك هى غيتهم فى قلب الصعيد «عصاة المحبة» تتعلق بها أرواحهم.

قبل أكثر من 50 عاماً، كان الصبى الصعيدى شعبان عبدالراضى يقطع عشرات الأمتار جرياً بصحبة الصبية فى قريته لمشاهدة النزال فى حلقات التحطيب، لم يفهم فى البداية ما يحدث، شخصان تطوقهما حلقة دائرية من المشجعين والمتفرجين من مختلف الأعمار السنية، يرفعان العصا ويتحفز كل منهما للآخر، وينتظر اللحظة الحاسمة حتى يتمكن من إسقاط العصا من يد منافسه، فيعلنونه فائزاً، فيرقص بعصاه رقصة احتفالية على إيقاعات الطبل البلدى وأنغام المزمار، ويتلقى التحية من الجماهير.

شدت لعبة التحطيب «شعبان»، فعرف اسمها وبعض حكاياتها لأول مرة من عمه، الذى كان محطباً له باع وصيت فى حلقات النزال فى أرجاء الصعيد، «كان عمرى وقتها 15 سنة، طلبت من عمى، يعلمنى إزاى أحطّب، أصل اللعبة شدتنى، ولقيت الناس بتحبها، وملفوفة حواليها منين ما تكون»، ليستجيب العم إلى طلب الصبى الصغير، ويسعد به، وتبدأ دروس التحطيب.

مواصفات ومقومات خاصة، لا بد أن يتمتع بها لاعب التحطيب، كما يؤكد «الجد شعبان»، الذى يحكى نشأته فى الصبا مع التحطيب «مش أى حد يعرف يمارس التحطيب، المحطب لازم يكون عنده قوة جسدية، ولياقة بدنية عالية جداً، ولازم يتمتع بالمرونة»، ولكن كل هذه المواصفات الجسدية لا تكفى، إذا لم يكن لاعب التحطيب يملك المهارة الفنية، والذكاء، وسرعة البديهة، وكافة عناصر «اللياقة الذهنية».

يواصل «الجد شعبان» صاحب الـ65 عاماً حكاواه عن «شعبان الصبى»، وكيف تعلم التحطيب على يد عمه، وهنا وصل إلى مرحلة التعرف على القواعد الأساسية للعبة، «بنبدأ اللعب بالسلام بين المتنازلين، وتكون إشارة بدء اللعب من الحكم كلمة (ساه)، ويردده وراه المنافسين للتأكيد على استجابتهم وعلمهم ببدء اللعب»، بعدها يلف المتبارزان من ثلاث إلى أربع لفات حول بعضهما البعض، كمرحلة لجس النبض قبل بدء العراك، ولا تتجاوز تلك المرحلة دقيقتين على أكثر تقدير، وتسمى بـ«حركات الرش» أو «حركات فتح الباب»، بعدها يبدأ الالتحام أو الاشتباك بين اللاعبين، وهو أمر حركاته ليست عشوائية بل محسوبة، ويدركها اللاعب تماماً، سواء تحرك للأمام «مارش أمامى»، أو عاد إلى الخلف بـ«مارش خلفى»، والحركات محسوبة أيضاً للحفاظ على سلامة المحطب، فمثلاً صد عصا المنافس لا بد أن تكون العصا أفقية لتحمى رأسه، فكل خطوة محسوبة بدقة.

«اللعب مايبقاش له طعم، لو مفيش جماهير، وربنا أنعم علينا فى اللعبة دى بحب الناس لها، فالمحطب بطل شعبى وسط ناسه وأهل قريته»، ولا يحلو اللعب أيضاً -كما يؤكد «عبدالراضى»- دون وجود الطبل البلدى والمزمار، فهى شحنة الطاقة الإيجابية، التى تحمس اللاعب، وتجعله يقدم على التحليق بعصاه، وتقديم عرض مهارى ينتزع الآهات من قلوب الجماهير.

ومثلما للعبة قواعد يحفظها اللاعبون عن ظهر قلب، هناك أيضاً قوانين لا بد لهم أن يلتزموا بها، وتحدد الفائز، «اللعبة زيها زى أى لعبة من ألعاب الفنون القتالية والمبارزة، لها حركات فنية محددة بمجموعة نقط، يعنى ضربة العصا على الرجل تتحسب بنقطة، أما لو الضربة أعلى شوية فى منطقة وسط الجسم بتكون بنقطتين، وكمان حركة اللاعب للخلف أو إلى خارج حلقة التحطيب تحسب بنقطة»، أما الحركة الفنية صاحبة النقاط الأعلى فى اللعبة فهى الضربة على الرأس، وتحسب بثلاث نقاط، أما الضربة القاضية فى التحطيب، التى دائماً ما تأتى من اللاعب صاحب المهارات الأعلى، فهى لمن يستطيع إيقاع العصا من يد خصمه، فيعلنه الحكم فائزاً على الفور.

يعاود «الجد شعبان» الحديث متذكراً مرحلة الصبا والشباب، عندما كان يحضر بعصاه فى الأفراح والمناسبات الاجتماعية والمهرجانات الشعبية فى الصعيد، ويتذكر عندما حضر مع أصدقائه إحدى المبارزات فى قنا، وأخذ يشاهد العروض والمنافسات، ولفت نظره وجود شاب ضخم البنية، شديد العصب، يبارز الجميع ويتفوق عليهم بمهارة وخفة وسرعة بالغة، «عمرى ما أنسى المبارزة مع المحطب القناوى ده، لما طلبت من صاحب المناسبة، وكبير المحطبين فى بلدته، إنى أبارزه، فقالى بلاش، ده شديد عليك، وأنا أصريت»، فى تلك الليلة صار لـ«شعبان» صيت واسع فى اللعبة، بعد أن أبلى بلاء حسناً، وتفوق بمهارته وبمجموع النقاط عليه، «ماكانوش مصدقين، إنى ممكن أكسبه، الناس كلها كانت بتحيينى، وهو كان بيغلى من جواه فى الليلة دى، لكن علشان هو راجل، وعنده روح رياضية، جه حيانى، وقالى دى أول مرة حد يغلبنى».

يفرغ الجد «شعبان» من حديث الذكريات، ويعود للحديث عن اللعبة، التى رافقت حياته طيلة 5 عقود، بعد أن فرغ من الحديث عن قواعدها وقوانينها، استوجب الآن الحديث عن زى لاعب التحطيب وعصاته، فالجلباب والعمة الصعيدية، هما الزى الرسمى للاعب من واقع بيئته الصعيدية وفيما يخص العصا فلها مواصفات خاصة فى الشكل والطول، «بتكون عصايا سميكة من الخرزان، طولها بيكون من متر ونص إلى مترين، ولكن طبعاً قبل كده كنا بنلعب بشوم، بس الشومة مؤذية، وإصاباتها كتيرة»، وفيما يخص مسكة العصا، فهو فن فى حد ذاته، بحسب ما يؤكد المحطب العجوز، «لازم تقبض على العصا من طرفها، ودى بتحتاج راجل شديد، لأن العصاية تقيلة فى عملية الدوران المحطب بيمسكها بيد واحدة، ومع الالتحام بتكون قبضتك على العصا من طرفها، ومسكة العصا فن، وبتفرق بين لاعب قديم ومبتدئ، ولاعب عادى، وتانى مهارى».

يؤكد الجد شعبان عبدالراضى، المحطب السوهاجى، أن التحطيب لا يعرف سناً، فهناك محطبون يعرفهم تجاوز عمرهم السبعين عاماً، «طالما لسه بعافيتك وصحتك، وقادر ترفع العصايا، تقدر تحطب»، مشيراً إلى أن المحطب العجوز، إذا تمتع بالصحة واللياقة البدنية العالية، يعطى ثقلاً للمبارزة، مستشهداً بموقف حدث معه، بعدما تجاوز الستين، «كنا فى مهرجان تحطيب فى مولد الحسين، كان بيجيله المحطبين من مصر كلها، وبعدين لاقيت شاب من الشرقية بيحطب، وبيسخر من اللاعبين الكبار فى السن، ومش عاجبه لعبهم، يوميها أدبته بالعصايا فى حلبة التحطيب، وعرفته إن التحطيب مالوش سن».

وفيما يخص أصل اللعبة ومنشأها، فيؤكد المحطب العجوز أن اللعبة صعيدية المنشأ، وهو ما عرفه وتربى عليه، «التحطيب فن صعيدى، المحطبين اللى على حق ربنا بيكونوا فى قلب الصعيد، من أسيوط وأنت نازل لحد ما توصل الأقصر وأسوان»، ولكن أصول اللعبة، كما يقول دكتور حسام الدين محسب فى نصوص كتابه «التحطيب فى الصعيد وتعليمه»: «اللعب بالعصا له أصول قديمة تمتد حتى مصر الفرعونية، فلقد ظهرت هذه الرياضة كمبارزة بالعصا وكرياضة خشنة للشجعان، انتشرت بين جميع طبقات الشعب، ثم تحولت على مر العصور بين الطبقات العليا من الشعب إلى المبارزة بالسيف»، كما تطرق إلى أصول أو تراث التحطيب فى كتابه قائلاً: «أما التحطيب المأثور الآن فتعدل شكله بتغير وظائفه، ومع ذلك فهو جزء أساسى من تقاليد الريف المصرى، وإحدى المهارات التى يتعلمها الشباب فى الصعيد، يجتمع الكل على حبها، يهللون للمنتصر، ويرقصون معها بالعصا، رقصة صعيدية من عبق التاريخ والتراث المصرى.

الذكاء وسرعة البديهة واللياقة البدنية صفات أساسية فى المحطّب.. والجماهير والطبل والمزمار يعطون مذاقاً خاصاً لمنافسات التحطيب.. والضربة القاضية تأتى بوقوع العصا من يد المنافس


مواضيع متعلقة