أصغر ضحايا بورسعيد.. ذهب لينقذ سيدة من مصفحة فمات هو وصديقه

كتب: إسراء الطيب

أصغر ضحايا بورسعيد.. ذهب لينقذ سيدة من مصفحة فمات هو وصديقه

أصغر ضحايا بورسعيد.. ذهب لينقذ سيدة من مصفحة فمات هو وصديقه

أبى أن يكون من صفوف المشاهدين لأحداث الثورة، فارتقى بنفسه للصفوف الأولى من الثوار، دائما تجده رافضا لأي أسلوب من أساليب العنف في التعامل مع المتظاهرين، لم يمنعه صغر سنة من المشاركة السياسية والفعالة في المجتمع، ليرتضي لنفسه طريق التطوع، فكان مشاركا دائمًا في الأعمال الخيرية، وأحد متطوعي جمعية رسالة الخيرية، انضم لحزب الحرية والعدالة ليتركه عقب خلاف على سياستهم وينضم بعده لحركة 6 أبريل؛ وينتهي به المطاف إلي حركة الاشتراكيين الثوريين قبل شهر من وفاته، ولم يعلم أن سعيه وراء مساعدة المحتاجين وتطلعه لمعرفة ما يدور ببلده ستكون نهاية مطافه. "نفسي أموت شهيد في سبيل مصر، نفسي كله يهتف عشان مصر"، تلك كانت أمنية أحمد سامي، طالب بالثانوية العامة، الوحيدة التي ظل يكررها لكل المقربين منه، ظل يحلم بمصر موحدة بعيدة عن أي أحزاب أو مصالح.. مات قبل أن يراها أمة متكاتفة تحت راية واحدة. بصوت يحمل مزيجا من مشاعر الحب والأسى والحزن، يقول والد أحمد، وهو أيضا كان عضوا سابقا بحزب الحرية والعدالة، لـ"الوطن"، "كان أحمد يحلم أن يكون إعلاميا يهتم بالفقير واحتياجاته، يوصل صوته لأبعد ما يكون، دائما كان يريد أن يكون شهيدا"، فكان يقول "كده كده هموت، وأنا نفسي أموت عشان مصر".[Quote_1] ويؤكد والده أنه يحتسب ابنه شهيدًا عند الله، قائلا "ابني كان هناك ليساعد أهالي المسجونين المحتاجين؛ حيث كان مشاركا بجمعية رسالة الخيرية، وكان يقوم بعمل بحث لأهالي المسجونين ليوفر لهم معونة شهرية، بطاطين، وجبات غذائية وغيرها من الاحتياجات التي تساعدهم في مواجهه صعوبات الحياة اليومية، في ظل عدم وجود حد أدنى أو أقصى، كما وعدنا الرئيس وجماعته بمعيشة معتدلة لكن لم يتحقق منها شيء حتى الآن". "رغم المعيشة التي نشهدها من غلاء وتدني الرواتب، فإنني استطعت أن أربي ابني الوحيد، بعد وفاة والدته، تربية إسلامية متزنة، في وسط ديمقراطي، جعلته نعم الفتى الذي يتمناه المرء، فلقد كان مسالمًا على خلق واتزان، لديه طموح ورغبة في معرفة ما يدور حوله من متغيرات سواء كان بأحزاب معارضه أو حتى الحرية والعدالة". والد "أحمد" يعلن انسحابه رسميًا من حزب الحرية والعدالة بعد وفاته ابنه، "للأسف كنت أحد أعضاء حزب الحرية والعدالة، وخانني الحزب، فلم يأتِ أي فرد منهم لتعزيتي أو حتى بمكالمة هاتفية، وكأنني لا أنتمي إليهم، وصُدمت مثلي مثل باقي الشعب، فوعدونا بتغيير إلا أنهم كانوا مثل سابقيهم لا يفرقون عنهم شيئا، فصدق ابني حين قال لي إنهم خونة مثلما قال عبد الناصر، وإنهم يبحثون عن مصلحتهم فقط". يتابع "ظل أحمد يسعى إلى حزب أو حركة تمثله ليجد فيها غايته، بدءًا من حزب الحرية والعدالة، وتركه اعتراضا علي سياسه الحزب، ثم 6 أبريل، وتركها لأنها لم تعبر عنه، ختاما بحركة الاشتراكيين الثوريين، حتى أخبرني أنه قد مل الشارع السياسي؛ فالجميع يسعي وراء الحكم، وأنه يريد أن يضم لجمعية رسالة للأعمال الخيرية، ليجد فيها سعادة كبيرة". ويضيف "لم يقتصر نشاط أحمد على الناحية السياسية فقط، بل كون ائتلاف الطلبة بمدرسته الثانوية؛ لمواجه الدروس الخصوصية وأسعارها، التي تخططت 100 جنيه، حيث نظم وقفه داخل المدرسة، طلب فيها من مدير المدرسة تكوين مجموعة بثمن أقل، حتى ولو كانت بخمسين جنيه". وعن ظروف الحادث، يقول "ذهب أحمد لاستكمال أعماله بالجمعية، لتوفير احتياجات أهالي المسجونين، ليتابع النطق بالحكم بأقرب مقهى للسجن، ليفاجئ بعد النطق بالحكم باقتراب المتظاهرين من السجن، والذي عمل أفراد الداخلية علي تفريقهم بالقنابل المسيلة للدموع وضرب نار، بعدها قامت الداخلية بإخراج مصفحة لتفريقهم، وكادت أن تدهس سيدة، ليهرع أحمد إلى المصفحة ليحذر من فيها من دهس السيدة، ويلحقه زميله محمد سامي، إلا أنهما تلقيا عددا من الرصاصات المتتالية التي أودت بحياتهما، نال منها أحمد ثلاث رصاصات بالفم والجسد، ونال محمد سامي ثلاث طلقات بظهره، وكان ذلك على بعد 100 متر من السجن في أحد الشوارع المؤدية إليه". في الليلة التي سبقت وفاته، سعى والد أحمد لإثنائه عن المشاركة في الأحداث، لتكون كلماته الأخيرة لأبيه: "كيف لمصري أن يقتل مصريا"، ويروي كيف كان يوم الحادث، "جاء الصباح ولم أجد أحمد بالمنزل، ما جعل الفزع يتملكني، وزاد الأمر حين أخبرني الناس أن هناك ضربا عند السجن، نزلت والفزع مسيطر على كل حواسي، لأجد القناصة تقتل المواطنين من كافة الاتجاهات، ويصاب أمامي طفل لم يتعدَ الثامنة بعد، ومازالت الجدران تشهد الرصاص بكافة أرجائها". ووسط دموع لا تتوقف، يكمل والده: "أثناء بحثي عنه، جاءني تليفون يخبرني أن ابني بالمستشفى الأميري، هرعت إلى هناك ظنا مني أنه قد أصيب، لأصل هناك ولا أجده بين المصابين؛ وأحمد الله معتقدا أنه اتصال خاطئ، إذا بي أجد زملاءه واقفين أمام المشرحة، استبعدت أن يكون أحمد بداخلها، ذهبت وكلي ثقة أن مَن بالمشرحة أحد زملائه، فاردت مواساة أهله إلا أنني وجدت الجميع يواسيني، حينها أدركت الفاجعة التي حطمت قلبي، وأدركت أني قد فقدت وحيدي، وكان الرصاص قد سكن فمه وظهره". وعن مشهد الجنازة، يقول والد الشهيد "لم تختلف جنازته كثير عن طريقه موته، فلقد خرجت بورسعيد لتأبين ما يقرب من 29 شهيدا من أبنائها، بعد ليلة حملت العديد من أنواع الفزع والرهبة، هاتفين "لا إله إلا الله الشهيد حبيب الله"، ولكن الجنازة لم تسلم من الاضطرابات، لما تلقته من أعيرة نارية وقنابل مسيلة للدموع، والتي كانت كافية لإحداث الفزع في صفوف الجنازة التي كان نعش أحمد الرابع بها، وكان نعشه يجري أمامنا، ووقف زملاؤه صفا دفاعا عن نعشه، قائلين "ندفنه وبعدين ادفنونا"، وأصيب أخي بخرطوش، ونحمد الله أنه لم يخترق رأسه، فتفرقت الصفوف لتحمي جثث الموتى بمداخل المنازل والشوارع الجانبية، إلا أن ثلاث جثث لم تمكث طويلا بنعوشها، فسرعان ما فقد حاملوها السيطرة على الأمر ووقعت الجثث أرضا، بجوار جبانات الموتى، فلم يتمكن البعض من الهروب من أعيرة الجيش والشرطة؛ ليسقط الشهداء في جنازة الشهداء". يتحدث عنه أحمد محسن، صديقه بالاشتراكيين الثوريين، قائلا "كان أحمد سامي من الشخصيات التي تتمتع بطيبة وسكينة يملكها القليل وتفاعلا مع الأحداث كافيا أن يجعله معروفا ومحبوبا لدى كل الحركات السياسية ببورسعيد، كان ابن وحيد أبيه توفيت والدته وتركته صغيرا ليكفل أباه بتربيته، توطدت علاقتنا معه منذ انضمامه لحركة الاشتراكيين الثوريين منذ شهر". ويتطرق محسن لآخر لقاء له مع أحمد "آخر مرة قابلته كان يوم الجمعة قبل الحادث بيوم، في مسيرة العدالة الاجتماعية مع باقي أعضاء الاشتراكيين الثوريين، وكان سعيد بالثورة، وبالمشاركة بها، حاملا بين يديه لافتة بها عبارة "باسم سياسة الانفتاح سرقوا العامل والفلاح"، حيث لديه إيمان راسخ أن الشعب يجب أن يعرف أين حقه ويثور على ظالمه". ويستكمل "تركناه يوم الخامس والعشرين جسدًا ورحًا سعيدًا بالثورة، ليأتي لنا خبر وفاته في اليوم التالي وجود جثمانه بالمشرحة؛ ليبقى لنا ذكرى بلا سعادة". ينهي والد أحمد حديثه، بأنه لن يترك ثأر ابنه، ولكنه ينتظر تقرير النيابة حين تفتح أبوابها، لتكون أمنيته الأخيرة، أن يصل الحق لصاحبه وأن يسعي الإعلام لتحقيق حلم ابنه، متسائلا "كيف لفتي يحمل ورقه وقلم أن يكون قاتلا؟".