اغتيالات "تونس" قبل الثورة في خدمة الاحتلال.. وبعدها في خدمة "النهضة"
قامت ثورات الربيع العربي، للإطاحة بأنظمة قمعية احترفت التعامل مع معارضيها بـ"سيف المعز وذهبه".. الصمت أو الاغتيال. وبعد مرور عامين على قيام ثورة تونس، ثبت عمليا أن تلك الأنظمة وإن "خُلعت"، فإن أسلوب تعاملها مع معارضيها باقٍ بلا مواربة.
شهدت تونس، الخميس الماضي، مقتل رئيس الاتحاد الجهوي للفلاحة بتطاوين، والمنسق العام لحركة "نداء تونس" لطفي نقض بمدينة تطاوين، أثناء اشتباكات بين إسلاميين مقربين من حركة النهضة، ومعارضين للحكومة. ووجه زعماء المعارضة الاتهام بقتل لطفي للرئاسة ومؤيدي الرئيس التونسي المرزوقي، واعتبروا أن السلطة هي من خططت لاغتياله أثناء المظاهرات، بينما صرح الرئيس التونسي منصف المرزوقي بأن وفاة الناشط لطفي نقض هو "إعدام تعسفي".
واليوم، تشهد تونس مجددا عملية اغتيال أخرى للناشط اليساري شكري بلعيد أمام منزله بأربعة رصاصات استقرت في رأسه وصدره.
بلعيد، الذي بدأ عمله السياسي كعضو في حركة الوطنيون الديمقراطيون، وأصبح أول ناطق رسمي باسم الحركة، وانتخب لمنصب الأمين العام للتيار الوطني الديمقراطي، قاد مؤخرا حملة ضد سياسات حركة "النهضة" وحزبها الحاكم. وحذر في آخر ظهور تلفزيوني له، قبيل اغتياله من التحالف بين حركة النهضة الحاكمة وشريكها في الائتلاف الحاكم حزب المؤتمر، واتهمهم بتشكيل "رابطات حماية الثورة" من أجل استهداف الشخصيات المعارضة في البلاد.
وتبرز أهمية حادثي اغتيال لطفي نقض وشكرى بلعيد، لكونهما نفذا بعد الثورة التي قامت ضد نظام قمعي، لكن ذلك لا ينفي أن لتونس تاريخ طويل مع تلك العمليات.
في العام 1961 تم اغتيال الزعيم الوطني التونسي صالح بن يوسف، وهو أحد قادة الحركة الوطنية التونسية المناضلة ضد الاحتلال الفرنسي، ولد صالح بميدون بجربة في 11 أكتوبر 1907، وسافر لفرنسا لإتمام تعليمه هناك، ثم عاد ليبدأ عمله السياسي بتونس.
وبدأ صالح حياته السياسية كعضو في الحزب الحر الدستوري الجديد، ثم أصبح أمينا عاما للحزب، كما تولى منصب وزير العدل عام 1950 وحتى عام 1952، ثم بدأ نضاله السياسي ضد الرئيس التونسي وقتها بورقيبة، بسبب الاتفاقيات التي وقعها الثاني مع فرنسا والتي تمنح تونس استقلالا جزئيا وهو الأمر الذي رفضه الزعيم صالح بن يوسف، مما أدى إلى بدء الخلاف بينهما.
وفي العام 1955 ألقى صالح بن يوسف خطبة حماسية أوضح بها عيوب الاتفاقيات التي يوقعها الرئيس، وأعلن رفضه التام لهذه الاتفاقيات ودعا إلى ضرورة بدء الكفاح المسلح من أجل الحصول على الاستقلال التام، واستمر في حملته ضد الرئيس التونسي.
وفي 2 يونيو 1961 سافر صالح بن يوسف لألمانيا لغرض طبي، واستقر بها شهرين، وفي أغسطس من نفس العام تهيأ للسفر لحضور مؤتمر الحزب الديمقراطي الغيني، لكن جاءه اتصال من أحد أقاربه يطلب لقاءه لتنسيق لقاء بينه وبين بورقيبة، فوافق على اللقاء بفندق رويال بمدينة فرانكفورت بألمانيا، وصعد لغرفة قريبه وهناك لقى حتفه على يد قاتلان.
ومن الاغتيالات الأكثر شهرة في التاريخ التونسي أيضا، اغتيال الزعيم السياسي والنقابي فرحات حشاد، أول من أسس الاتحاد العام التونسي للشغل في العام 1946، كما أنشأ الاتحاد العام للعمال التونسي، وشغل منصب أول سكرتير عام له، وكان له شعبية كبيرة بسبب اهتمامه بحقوق الطبقة العاملة.
ولد فرحات عام 1914 بقرية العباسية بقرقنة، وهي جزيرة على سواحل صفاقس، ونتيجة لظروف عائلته الاقتصادية السيئة اضطر لترك التعليم والعمل كعامل في إحدى الشركات، وألتحق بعد ذلك باتحاد العمال التونسي الذي كان يتبع الاتحاد العام الفرنسي، ثم أختلف معه فتركه. وكون مع عدد من زملائه اتحاد العمال التونسي المستقل، ودعا إلى العدالة بين العمال التونسيين وأقرانهم الفرنسيين في الحقوق المدنية والمساواة ثم بدأ الدعوة للاستقلال عن فرنسا، وبذل كل مساعيه للنضال ضد الاحتلال الفرنسي، الأمر الذي أدى إلى اغتياله في النهاية.
وفي صباح يوم 5 ديسمبر 1952 تتبعت سيارة فرحات سيارة أخرى من منزله، الذي كان خارج حدود العاصمة تونس، وأطلقوا عليه النار وفرت السيارة هاربة، لكنه أصيب فقط بذراعه وخرج من سيارته، لتظهر بعد دقائق سيارة أخرى لتطلق النار على رأسه. وعقب إعلان نبأ اغتياله اجتاحت المظاهرات عواصم كازابلانكا والقاهرة ودمشق وبيروت وكراتشي وجاكارتا، وامتدت أيضاً إلى مدن أوروبية مثل ميلانو وبروكسل وستوكهولم، وتحولت المظاهرات في كازابلانكا إلى أعمال عنف راح ضحيتها ما يقرب من أربعين شخصاً.