روح : صراع الأجيال

كتب: أحمد الزيات

روح : صراع الأجيال

روح : صراع الأجيال

التفتُّ إليه بعد أن ضاقت عيناى نظراً له وصوبت سؤالاً ساخراً استنكارياً نحوه فقلت له «ألم تلحظ شيئاً من كلامك؟!» وكالعادة لم يُظهِر سوى علامات التبلد والحماقة على وجهه فأطرقت قليلاً واستطردت حديثى قائلاً «كبرنا يا صديقى.. وتشكلت شخصياتنا وابتاع كلٌّ منَّا من المنطق ما أمكن أن يبتاع وامتلأت حقائِبُنا بأدواتنا العقلية التى وجدها كل منّا فى طريقه وارتضى بها فاقتناها وفقدنا مرونة أفكارنا وبدت العصبية ورفض الغير -وإن كان باطناً وليس بظاهر- طابعنا الأساسى فى أغلب أمور حياتنا اليومية وكأنما رُفعَت الأقلام وجفت صحف عقيدة كلٍّ منَّا فى الحياة. فقاطعنى بدوره وأوقفنى عند هذه النقطة قائلاً، وهو معترضٌ على جلّ كلامى: «ما لك تتحدث مثله وكأنى هربت منه لأشكو إليه؟!». فصديقى هذا لطالما كان شديد التأفف سريع التعصب يضيق ذرعاً بآراء أبيه فى كل ما يمكن أن يصدر فيه والده رأى فى الحياة بداية من مسار الحياة العملية والارتباط العاطفى وصولاً لاختيار ذلك المقطَع الصوتى الطويل الذى تغلب موسيقاه على كلامه العربىّ الفصيح لكى يسمعوه فى طريق سفر طويل يبدو بجانب المقطع أقصر بكثير. وكلمَا حاول والده أن يفيده بشىء من خبرات حياته ازداد ذلك الصديق عنفاً وتأففاً وكأن أحدهما يحاول زرع فكرة مجوسية صهيونية الأصل فى عقله ويأبى صديقى عليه أن يغرس النوى. لعلى أوافقهُ الرأى فى كون ذلك صعباً على أى حد من جيلنا أن يتقبله ولكنى لست مثله فأنا أفهم هذه المرحلة من الحياة التى بدأتها مبكراً عنه وهى مرحلة أن تفقد دعمك من الحياة تماماً كأنك هاتف ذكى مر على صدوره عامٌ أو عامان فتوقف دعمه من الشركة المنتجة ولم يصبح مؤهلاً لأداء الوظائف التافهة التى يؤديها خليفته ذو الإطار المعدنى المنمق والدعم الحديث المستمر، أنا لن أخبر صديقى بأن عليه أن يتقبل كل ما يسمعه من أبيه فذلك لا يمكن أن يكون صحيحاً ولكنى فقط سأخبره بأن عليه أن يدرك أنها مرحلة سيمر بها بنفسه مع ابنه كما يمر بها الآن مع أبيه وعليه ألا يتأفف كالأحمق من آراء أبيه لسببين أولهما أن هذا الرأى صادرٌ عن إنسان مُجرِّب بالطبع قد لا يكون الأسلم ولكنه بالتأكيد ليس بالأسوأ، وثانيهما مراعاة لتلك الفترة التى سيتوقف فيها عن كونه المهاجم المتأنق وسيركن إلى دور المدافع المنبوذ فمن لا يرحَم لا يُرحَم وكما تُدينُ -يا صديقى- تدان.


مواضيع متعلقة