فلحوس

كتب: عصام مجدى

فلحوس

فلحوس

كنا ككل ليلة من مساء الخميس مجتمعين فى مكان ما بقريتنا الصغيرة. كان الكبار كالعادة يتكلمون والكل يسمع.. النساء هادئات على غير عادتهن.. والأطفال يتبادلون التثاؤبات.. الكون هادئ.. لا يعكره سوى نباح الكلاب الضالة بالخارج.. وتعثر المارة فى خفوت.

الرجال يتحدثون كيف سيقسمون الأرض.. كيف سيوزعون العمل.. حسابات كثيرة ومعادلات عُرفية.. إننا متعبون ولغد صامدون وبعد غد مشرق لا محالة.. الكل يطمح.. الكل يحلم.. لكن الأحلام -مهما تصاعدت- لها سقف.. إننا لمورثون وإلى ربنا راجعون..

لكن فى ذلك الخفوت كانت آذان رقيقة تنصت فى اهتمام.. حتى وإن كانت تبدو غير ذلك.. إما بالتثاؤب أو التقلب فى حجور الأمهات!

يا أبى.. تتعارض أحلامنا.. أنت تعمل لتموت.. وأنا أعمل لأحيا.. يا من خلفتمونى وأورثتمونى.. أورثونى همكم اليوم لا غداً.. بكم لا من دونكم..

كلما كان الكبار يتبادلون الأسئلة فى تحدٍّ.. أى منهم هو الأحق بإدارة شئون حربهم الخاصة.. كانت قبضة صغيرة تثقب الأجواء وتقول فى حزم: «أنا لدىّ الحل»! (انا) أصغر المتثائبين والجالسين.. أقصرهم قامة وأضعفهم بنية وأخفهم وزناً..

وكلما رفع أصبعه ليجاوب إجابة صحيحة.. يصمت أمام أنهار من التهكمات والسخريات والضحكات المصطنعة والابتسامات المرة..

«هاه! مرحـى.. عاد الأستاذ فلحوس مجدداً «

يسقط فى هدوء فى فراغ مظلم..

نام! نام! وادبحلك جوز الحمام..

خلاص نمت!

واندفعت تحت الغطاء.. أنا غارق بالأحلام الآن.. وماؤها قد بلغ أكمامى..

تذهب عنه.. فينهض فى عجلة.. يسرع إلى غرفتهم.. ينزوى ببابها راقداً على بطنه..

الأرض باردة.. والصوت ضعيف.. لكن سأسمع!

يسمع.. ويسمع.. تهدأ نبضاته.. تتداعى أهدابه.. وتبدأ أفضل حلقات التليفزيون المفضلة له..

من سيربح الكون..

فيثب.. يأتيه سؤاله المفضل وبوابته إلى الكون:

من خليفة الله فى أرضه؟

يصرخ بعفوية فطرية: «الإنسان».

ثم يسقط فى أمواج متدافعة من التساؤل «لماذا أنا غير مرحب بى فى مجلسهم؟».


مواضيع متعلقة