فى غرفة ضيقة بإحدى ضواحى العاصمة تعلوها رائحة المسك والزعفران، يجلس على أريكة متواضعة، تتخللها رجاءات بتجديد النوايا أثناء حضور اللقاء، يجلس وأمامه «أركان البيعة»، يصرخ القيادى الإخوانى قائلا: «دعوة الإخوان محفوظة بعين الخالق، لا يجور عليها سوى كل حاكم ظالم، قيادتها ربانية، ترى بنور الله، تدعمها تضحيات وولاءات بنيها»، تتبعها تكبيرات وتهليلات وتسابيح وقشعريرة تعم المكان من وجل الكلام.
ملكى أكثر من الملك، على خلاف ما يبدو للعيان أنه «ليبرالى منفتح»، يقف بالمرصاد لكل «رعديد» يقترب من «المعبد» أو «الاتحادية»، وتخرج من بين شفاهه طلقات قاتلة وسريعة: «إنها البلطجة السياسية»، واصفاً بها معارضى المشروع الإسلامى و«والى المسلمين» القابع خلف أسوار الحكم المتينة.
جعل محمد البلتاجى، المولود فى 1963 بمحافظة البحيرة، ذو الأبناء الخمسة، والمهاجر إلى مدينة نصر جراء المطاردات الأمنية فى سنوات ما قبل ثورة التمكين للتنظيم، دماءه ودماء أقرانه من «التنظيم» قربانا لضمان استمرار «الوالى» فى إدارة «القطر» سنوات عديدة وأعمار مديدة، وحذر المرجفين فى المدينة الذين يزلزلون عرش واليهم من الاقتراب وهددهم: «إذا حدث اقتحام للقصر سنضحى بدمائنا للدفاع عن الشرعية»، معلنا عن ملايين تنتظر الشهادة على أعتاب القصر -الذى طالما راود رجالات المقطم فى أحلامهم ويقظتهم طيلة 80 عاما مضت- لإيقاف المؤامرة ضد الوالى.
أرغى وأزبد القيادى الإخوانى قائلا لا فض فوه، إنه رأى الصليب بأم عينيه يرفرف بالقرب من قلعة الوالى بالضاحية الراقية، وإن جُل من يعارض الأمير المبايَع ممن ينقمون عليه لحيته ودينه ومشروعه الإسلامى، من شريعة تخالف دين الرئيس.
استطرد حامى الديار الإخوانية فى الدفاع عن معتقداته التنظيمية وذهب خارج الحدود، حينما كشف طبقا لمقوماته الخارقة أنه نمى إلى علمه معلومات عن اجتماع «رباعى الشر» الذى يهدد مشروع النهضة فى مهده، ما بين مرشح رئاسى سابق وقيادى فتحاوى وعضو برلمان منحل لتنفيذ انقلاب على الحاكم بأمره.
فى لحظة من التجلى الروحى التحف بلحاف الثورة والميدان، فخرج يعترض على قرارات قيادات دياره الإخوانية، فأوعز له أحد المخلصين: «فلتحذر من ويلات الخروج عن طاعة الأمير، فاللعنة ستطاردك، وسيكون مصيرك مثل أسلافك الذين تم فصلهم وقطع مرشد الديار أصبعه فى سبيل إنهاء علاقتهم بالديار»، فخرج وهدد بالرحيل وخطت يداه استقالة مرة أولى وثانية وخامسة، ولكنها تاهت فى أوراق القمامة كغيرها من الأوراق الأخرى، فعلم وقتها أن موعد رحيله عن الديار بات وشيكاً وأن وجوده أصبح والعدم سواء.