قال الدكتور خالد سعيد، مؤسس الجبهة السلفية، المتحدث باسمها إن تجربة حكم الإخوان ليست جيدة، ودائماً ما تأتى قرارات الرئيس محمد مرسى ومن ورائه حزبه وجماعته «متأخرة وعلى غير مستوى الحدث»، مؤكداً أن الحل الأمثل للخروج من الأزمة الراهنة هو الاحتكام للحوار من شتى التيارات والحركات رغم شدة التفاوت الأيديولوجى بينها. وأضاف فى حوار لـ«الوطن»، أن انتقال الشيوخ من المساجد للسياسة كان خطأ لعدم كفاءتهم، خصوصاً مع تكريس نظرية «العالم والشيخ»، التى تؤكد الهيمنة والتبعية الكاملة من الأفراد لهم، وتساءل: ما النتيجة إذا اجتمعت التبعية المطلقة حول قيادة لا تملك الكفاءة المطلقة أو حتى الجزئية؟
■ ما رؤيتك للمشهد السياسى الحالى؟
- المشهد عبثى، لكنه طبيعى أن يحدث ذلك بعد الثورات، وبعد تحمل الإخوان والإسلاميين تبعية هذه الفترة الحرجة، وأى نظام بعد ثورة حتى لو كان منزلاً من السماء لن ترضى عنه الجماهير، والجيل الذى ذاق طعم الحرية، وأفلت من أسر السلطة بعد عقود وربما قرون من الذل والقهر، صعب ترويضه سريعاً، كما تتحمل السلطة فى مثل هذه الفترات عبء الأوضاع المنهارة نتيجة الفوضى بعد الثورة، فضلاً عن نظام طاغوتى مجرم دمر مقدرات البلد فى كل ناحية.
لكنى رغم كل ذلك، أرى أننا ذاهبون للاستقرار ولو بعد حين، لكن الإسلاميين لم يحسنوا استغلال الفترة ولم يكونوا مستعدين لها، فمع كثرتهم وكوادرهم إلا أنهم كانوا تحت أشنع أنواع القمع والتغييب والتفكيك والتدمير مما أثر بالفعل على جاهزيتهم، ولذا أخشى أن يفقدوا الكثير مما يجعل تمكنهم من التصدر فى المراحل القادمة أصعب وحين تتوفر الجاهزية أخشى أن تبقى عثرات اليوم معوقة لأجيالهم القادمة ولمحو آثارها فنحن نكتب التاريخ اليوم.
■ ما الحل الأمثل للخروج من الأزمة الحالية؟
- الاحتكام للحوار، وتشكيل حركات موازية من كل التيارات القادرة على التلاقى والتفاهم على شدة التفاوت الأيديولوجى بينها.
■ كيف تنظر لتجربة حكم الإخوان حتى الآن؟
- ليست جيدة، وإن كانوا لم يعطوا الفرصة فعلاً، وهناك معوقات هائلة ضدهم منذ أول لحظة، لكنهم لم يفوا بكثير مما وعدوا به، فلا مشروع نهضة ولا تدفقات استثمارية (يعذرون لعدم الاستقرار) ولا شراكة حقيقية مع أحد وغيرها، والرئيس مرسى ومن ورائه حزبه وجماعته قراراته متأخرة وتأتى على غير مستوى الحدث ولم يوفر العدالة الاجتماعية كما لم يفعل ما يبشر بها أو يقرب إليها، كما أنه يفتقر إلى الحسم والحزم الكافى.[Quote_1]
■ كيف تفسر انتقال الشيوخ من المساجد للسياسة؟
- كان خطأ بالنسبة لكثير منهم لعدم كفاءتهم أو كفايتهم، خصوصاً مع تكريس نظرية العالم والشيخ التى تؤكد الهيمنة والتبعية الكاملة من الأفراد، فلك أن تتخيل التبعية المطلقة إذا اجتمعت حول قيادة ليس عندها الكفاية المطلقة وربما الجزئية أحياناً ما الذى يمكن أن تنتجه.
■ هل تقبل استخدام المنبر للتوجيه السياسى؟
- نعم بلا شك.. فنحن إسلاميون لا نفصل السياسة عن الدين، لكن فى الأمور العامة للمسلمين وليس للاختيارات الحزبية الضيقة التى ربما لا يتفق عليها خصوص المسلمين فضلاً عن عمومهم.
■ هل أبناء التيار الإسلامى يسيرون وراء مشايخهم دون تفكير؟
- بعضهم هكذا وبعضهم ليسوا كذلك، لكن زيادة القمع زادت هذه الظاهرة خلافاً للمناهج الأصلية التى ربما تكرسها وكذلك شجع عليها الجمود وغياب التجديد وغيرها من العوامل التى يطول شرحها.
فالإخوان بين السمع والطاعة وحكمة القيادة والأخ الأكبر، وبعض السلفيين مرجعية العلماء وبركة اتباع رأيهم وغيرها من أمور، لكن الغالبية بدأت تتحرر، فمنها من تحرر مبكراً كالجبهة السلفية ومن نحا نحوها ومنها من بدأ يتحرر ويدخل حالة السيولة إن جاز التعبير، فنحن جزء من مجتمعنا وأصابنا ما أصابه من الانفتاح والثورة التى ربما تصل للانفلات أحياناً، وقد بدأت الجماعات والتنظيمات تذوب لصالح الأمة والمجتمعات.
■ كيف ترى العلاقة بين السلفيين والإخوان، وهل هى صراع أم تعاون؟
- العلاقة بينهما الأصل فيها التكامل والتعدد، ولا تنازع أو تضاد، وجاء هذا من تعدد الاجتهادات الإسلامية فى الأمة بعد سقوط الخلافة وتحكم الأنظمة العلمانية وضياع الحكم بالشرع المطهر فتعددت اجتهادات العامليـن للإسلام لإعادتها وذب ما يرونه مهدداً للأمة وهويتها، وكان من الطبيعى أن تراهم شيئاً واحداً فى كل نازلة عامة تعتبر محل إجماع بينهم فى الخطر على قضيتهم وربما يتفقون أو يتفرقون فيما هو دون ذلك.
أمر آخر وهو أن الإخوان جماعة هرمية متجانسة تنظيمياً لكنها ليست كذلك عقائدياً وفكرياً، فهى واسعة الأفق من هذه الناحية إذ نشأت كمظلة للأمة فى مواجهة ضياع الخلافة التى هى مربط الفرس لهذه الأمة، ولذا تجد فيها من هم من أئمة السلفيين، ومنهم غير ذلك، وإن كانت الجماعة سنية على الجملة وهذا ما تتبناه.
كما أن السلفية ليست شيئاً واحداً كذلك، بل هى قطاعات متعددة من «أسامة بن لادن» إلى «أسامة القوصى» وبينهما ألوان متنوعة فهى تشمل من هم خارجون على الأنظمة حتى القتال إلى من هم موالون للأنظمة حتى التبعية وبينهما الكتلة الرئيسية المؤثرة التى جرى الضغط عليها وتفتيتها من الأنظمة حتى صارت أعداداً لا قدرة لها على الحركة والتأثير مما حدا ببعض قطاعاتها للتحرك فيما عرف بالسلفية الحركية كمنطقة وسط بين الإخوان والسلفية التقليدية المدرسية إن جاز التعبير.
أما مبدأ الصراع فهو وارد، لكنه ليس على السلطة كما يزعم بعض خصومنا وليس على أصل المنهج وإنما هو على قضايا شرعية نفترق فيها أحياناً مما تقبلها براجماتية الإخوان وبنيتهم السياسية المرنة والأبعد عن التقيد الشرعى الأصيل أو العميق أحياناً وإن لم تخل منه، وترفضها تقليدية السلفية خصوصاً فى ظل عهود التقليد ونضوب الاجتهاد والجنوح إلى التقليد وقد يكون الحق مع هذا حيناً ومع ذاك حيناً آخر.
■ هل صحيح أن الدعوة السلفية لديها ما يسمى بـ«ضد الإخوان»؟
- بنسبة لا بأس بها، فهى تتبعها فى فترة ما بعد الثورة تبعية الظل للظل إلا أن الدعوة وإن لم تزعم أنها رديف للأمة أو بديل عنها فإنها تتصرف كذلك فالمصلحة هى مصلحة الفئة والتفاوضات السرية والعلنية منفردة وهكذا.. و«الدعوة» عندها عقدة داخلية تشكلت من عنصرين، الأول أنهم يعتقدون أن الإخوان أسبق فى الفهم السياسى والتعامل مع معطيات الواقع لبنيتها الفكرية والتكوينية السياسية ولممارستها السياسة لعقود طويلة، ولعزلة الدعوة السلفية وبنيتها المدرسية التقليدية بنيوياً وفكرياً، وأما العنصر الثانى، فهو محاولة التعامل بندية على خلفية أن «الإخوان» ينبغى أن تتعامل معهم بالقوة والتعالى والندية وإلا لن تأخذ منهم شيئاً وهذا فيه نسبة من الصواب إلى حد ما.[Quote_2]
■ هل حقاً أن الدولة تدار من مكتب الإرشاد؟
- غير صحيح بالمرة.. لكنها لا تدار بالشكل الصحيح حتى الآن على أى حال وأظن أن هناك اختلافات بين سياسات وتحركات الدكتور مرسى وسياسات وتحركات الإخوان.
■ ما رأيك فى التحالف بين السلفيين والإخوان.. وما المصلحة المشتركة بينهما؟
- التحالف بينهما ستجده دوماً متقطعاً، يعنى يلتقون أحياناً ويتفرقون حيناً لكننى أرجو أن تقل جداً فترات الانقطاع بعد زوال الأنظمة التى كرست الفرقة وزرعت العزلة بين كل فئات وأطياف الأمة، والمصلحة المشتركة بينهما هى مصلحة شرعية وواقعية لحتمية الارتباط الشرعى والوجودى.
■ ماذا عن مستقبل العلاقة بينهما؟
- أظن أن معطيات الواقع هى ما سيحكم عليها فلو تمكن السلفيون من تنظيم صفوفهم والانطلاق الواعى فسيكون الإخوان مجبرين شاءوا أم أبوا على اعتبارهم وتقديرهم وشراكتهم سواء بقوا فى الحكم أو أقصوا منه، فلن يمكن لأية فئة إقصاء فئة أخرى فى مصر بعد الآن مهما كانت الظروف والعوامل، وستحدث تقاطعات وتقاربات بين قطاعات كبيرة من الفئتين وسيجمعهم كثير من الظروف والعوامل التى ليس هنا محل ذكرها.
■ هل ستطبق «الإخوان» الشريعة؟
- ثق بأنها ستتدرج فى ذلك لكنّ هناك إشكاليتين، الأولى: أن اجتهاداتهم فى قضية الشريعة فضفاضة جداً ومتراخية للغاية ولا تكاد تنضبط، وهم فيها خاضعون جداً لضغط الواقع البعيد عن الشريعة لقرون ولتصورات الغرب عنه ومحاولة التوفيق أو الإرضاء، والإشكالية الثانية: هى أن تدرجهم قد يستغرق الأعمار الطويلة فليس لصبرهم حدود وهم ليسوا متعجلين بهذا الشأن كثيراً.
■ ماذا عن التيارات الإسلامية المطالبة بتطبيق الشريعة.. وكيف ستتعامل معها الإخوان؟
- مراحل ومحاولات: محاولة الإقناع ثم محاولة الاحتواء، ثم الإقصاء أو المواجهة فى النهاية بمستويات متفاوتة حسب حدة تلك المطالبات أو الرفض.
■ ما تعليقك على تراجع شعبية التيار السلفى؟
- مسألة تراجع الشعبية نسبية، بمعنى أن هناك قطاعات سلفية نقصت شعبيتها، وأخرى ما زالت بل كثرت شعبيتها، فهناك قطاعات سلفية سيئة ظهرت على المشهد السياسى، وهى من شوهت التيار السلفى، وهناك جهات سلفية عملت على الوجود الموازى لهؤلاء ونعمل على إنهاء هذا الوجود السابق، والشعب يستطيع التفريق بين الاتجاهين.
■ لو ترشح الدكتور مرسى لفترة انتخابية ثانية.. هل ستنتخبه؟
- لن أنتخب الدكتور مرسى فترة ثانية لو استمر على النهج الحالى، وكان عليه تحقيق أمرين هامين خلال الأشهر الماضية، الأول الانحياز للعدالة الاجتماعية والبحث عن مصالح الفقير الغلبان، عبر تحركات اقتصادية وخارجية تشعر الناس بالتغيير فى الأسعار والحياة اليومية التى يعيشها المواطن، الأمر الثانى هو الحزم وإعادة الأمن.