«الوطن» ترصد طريقة إقامة الجلسات وتشكيلها: قبول «اللجنة» ضرورة.. والشرطة تُبلغ بالأحكام

كتب: محمد أبوضيف

«الوطن» ترصد طريقة إقامة الجلسات وتشكيلها: قبول «اللجنة» ضرورة.. والشرطة تُبلغ بالأحكام

«الوطن» ترصد طريقة إقامة الجلسات وتشكيلها: قبول «اللجنة» ضرورة.. والشرطة تُبلغ بالأحكام

بجلبابه الأزهرى، وصوته الرخيم جلس الشيخ «عبدالمعطى أبوزيد»، نائب رئيس لجنة المصالحات العرفية بالصعيد، داخل مسجد التحرير، فى قلب مدينة قنا، يتلو بعضاً من آيات الذكر الحكيم بعد صلاة الجمعة. الرجل يتخذ من المسجد مستقراً له، يمتهن الإمامة بالمساجد ومعيَّن لدى الأوقاف وجد ضالته فى العمل بجلسات المصالحة العرفية، يشارك فيها منذ 15 عاماً، ورث العمل فيها أباً عن جد، ويجد فيها طريقاً للخير على حد قوله، ليساعد من خلالها فى وقف أنهار الدماء التى تسيل بسبب العنف الثأرى والطائفى. عادة ما يورث العاملون فى لجان المصالحة أبناءهم، ليس «أبوزيد» وحده، واتخذوا مكانتهم داخل لجان المصالحة من مكانة آبائهم.

{long_qoute_1}

«أبوزيد»، مثل زملائه، رحالة، يسافر البلاد كثيراً بحثاً عن حل أزمات ثأرية وطائفية، واشتراكه فى غالبية الأحيان يكون لحل الأزمات الثأرية التى لا تختلف كثيراً فى حل النزاع الطائفى، إلا فى الاستعانة بالقساوسة ورجال الدين المسيحى.

«تتشكل لجان المصالحة العرفية من خمسة إلى ستة أفراد على الأكثر ممن لهم سمعة طيبة ومال ووجاهة وعائلة يُعرف عنها النزاهة والاحترام»، يقول «أبوزيد»، ويواصل: «لا بد أن تلقى لجنة المصالحة قبولاً من أطراف النزاع، يترأسه ما يُعرف بقاضى دم، والبقية يسمونهم بالأجاويد، هم من الجود يعنى الكرم، وهم كبار العائلات وكبار البيوت وأعضاء مجلس الشعب». قاضى الدم ضرورة فى المصالحات الثأرية، ولكن ليس ضرورة فى المصالحات الطائفية، وقاضى الدم غالباً ما يكون غائباً فى المصالحات الطائفية، وحسب «زايد» يستبدل قاضى الدم بشيخ مسلم وقس مسيحى. {left_qoute_1}

يقول «أبوزيد» إن المصالحات ظهرت عوضاً عن المحاكمة والقضاء الرسمى الذى يُعرف عنه أنه طويل الأمد، وهو ما دفع الناس للجوء للقضاء العرفى فى حل النزاعات، خاصة التى يكون فيها أثر واضع من العلاقات بين الجيران فى البلد الواحد والأهل والعائلات الكبيرة. بعد تشكيل لجنة الصلح العرفية، التى يشترط فى صحتها أن تحظى بقبول من الطرفين المتخاصمين، يتوجه «أبوزيد» لكل طرف على حدة، ليوقّع على إقرار بالموافقة على اللجنة وما يصدر عنها من أحكام، ثم يسمع كل منهما على حدة، ما جناه المتعدون، ودفوعهم، وكل طرف يحاول أن يطرح الحجج التى تجعل الحق فى كفته، ويسمع منهم جميع ما حدث، وعادة ما تبدأ اللجنة العرفية بسماع المجنى عليه: «لأنه هو المصاب والمضار، وهو اللى اللجنة عايز تجيب له حقه»، ومنه إلى الطرف المعتدى.

وفى بعض الأحيان يرفض أحد الأطراف اللجنة، أو يرفض الصلح من الأساس، وفى هذه الحالة تعيد اللجنة الكرّة مرة وأخرى، وأكثر، يقول «أبوزيد»، مشيراً إلى أنه بعد السماع لأطراف النزاع، تختار لجنة الصلح بعض العقلاء من الطرفين، ويقسم العقلاء من الطرفين على قول الحقيقة.

تجتمع لجنة الصلح بعد السماع لأقوال الأطراف فى مكان محايد ولا يعرف موضعه إلا أعضاء لجنة الصلح وحدهم، يتدارسون جميع أقوال كل طرف على حدة وبعدها يصدر الحكم.

يقارن «أبوزيد» بين موقف الشرطة من الجلسات العرفية قبل ثورة 25 يناير وبعدها، يقول: قبلها كنا بعد صدور الحكم نتجه لمدير عام المباحث فى المنطقة موقع النزاع، وهو يتكفل بعرض ما صدر من حكم من قبَل اللجنة على أطراف النزاع، ويأخذ عليهم إقرارات بقبول الحكم، وبعدها يختار مكان إقامة حفل الصلح ويقدم خطة أمنية، ودراسة أمنية للمكان، خوفاً من تدخل البعض لإثارة الأزمات.

ولكن بعد ثورة 25 يناير لا يجد «أبوزيد» ولجان المصالحة المساعدة المعهودة من الأمن، الذى ظل يشارك فى تلك الجلسات ويراقبها ويتابعها ويتدخل فى بعض الأحيان لإقامتها، ولكن فى نفس الوقت تخلى عن دوره الذى كان يقوم به بشكل رسمى بإعلام المتخاصمين وأطراف النزاع بقرارات الجلسات، وأصبح يضع اللجنة فى «وش المدفع»، حسب قول الشيخ.

«لا تخرج جلسات الصلح العرفية عن حزمة من القرارات المعروفة والمعدودة على أصابع اليد الواحدة»، يقول «زايد»: وهى الدية المالية للوفاة، أو ما يقابلها من غرامة مالية للمعتدى أو المخطئ، إذا كان سبب الخلاف مجرد إساءة من طرف للآخر، وفى الخصومات الثأرية تكون «القودة» أحد الأحكام، وهى تقضى بأن القاتل يحمل كفنة على يديه ويتوجه به لأهل القتيل، ويكون بمثابة ملك لهم ويقول بملء ما فيه: «جئت طالباً العفو طالباً السماح، لكم حق علىّ»، ويرد عليه أولياء الدم من أهل القتيل: «عفونا عنك لوجه الله»، والقودة عادة لا توجد فى المصالحات الطائفية. ويقول «أبوزيد»: أما القصاص فهو ليس لنا شأن فيه، وهو من حق الحاكم وله طريقه وله حكمه، وأحكام اللجنة العرفية لا تلغى وظيفة القضاء، ولكن فى الكثير من الأحيان يعتد القضاء بأحكام اللجنة العرفية، ويأخذ بها ويقضى على المعتدين بالبراءة، وبعد موافقة أطراف الصراع على قرارات اللجنة يقام ما يشبه «العرس»، يسمى «المهرجان الطقسى»، فى حضور القيادات الأمنية من المحافظ لمدير الأمن وغيرهم من القيادات ولجنة المصالحة وأطراف النزاع، وتوزع دعوات كأنها دعوات زواج، وهناك تشابه بين طقوس الزواج وطقوس المهرجان الصلح.

تأخذ اللجان العرفية كافة الضمانات على الأطراف المتنازعة لتنفيذ قرارتها وأحكامها من خلال إمضاء الطرفين على شيكات بدون رصيد تصل الأرقام فيها لبضعة ملايين من الجنيهات، وتودع تلك الشيكات عند أحد كبار أعضاء اللجنة، وفى حالة نقض أحد الأطراف الصلح يدفع تلك الملايين كغرامة، وإذا كرر ونقض الصلح مرة أخرى لا يكون هناك بد من تهجيره من قريته للحفاظ على الأمن فى تلك المنطقة.

تكون عملية التهجير العقابية من جانب اللجنة العرفية بتنفيذ من الشرطة والجهات الأمنية، والتى تستمد منها قوتها، حسب رواية «أبوزيد»، وهناك الكثير من الأمثال على تهجير أسر مسلمة من بلدنا بعد عدم تنفيذ الأحكام، ولكن اليوم أسىء فهم عملية التهجير العقابية، وأنها تستهدف فقط الأقباط، ولكن هى أساس الأحكام العرفية وأساس العقاب فى نقض المصالحات العرفية، التهجير جزء أساسى فى الخصومات والمصالحات العرفية، وله وجاهته، وهى وسيلة لإنهاء وإغلاق ملف العنف غلقاً محكماً، ويقول إن أكثر ما أساء لتلك الجلسات اشتراك بعض الأطراف السياسية كالإسلام السياسى وهم غير عارفين بالعرف وليسوا من أربابه.

فى مكتب جمع الزكاة داخل أحد أكبر مساجد محافظة المنيا، يستقر الشيخ «أحمد عبدالحكيم»، حيث يتخذ من ذلك المكان مقراً لإدارة بيت العائلة الذى يترأسه بالمنيا، ويشاركه فيه ممثل عن الكنيسة الأرثوذكسية وآخر عن الإنجيلية، استطاع الرجل كبح العنف الطائفى فى ثلاثة مدن من أصل ستة أخرى اشتعلت فيها نيران الفتنة بالمنيا.

ليست مهمة فضّ النزاعات من خلال جلسات الصلح العرفية غريبة على «عبدالحكيم» الذى شارك فى الكثير منها من قبل إنشاء بيت العائلة من الأساس، ولكن خبرته فى تلك الجلسات التى حضرها كرجل دين أهّلته لإدارة ذلك البيت الذى أسسه فضية الإمام شيخ الأزهر أحمد الطيب، بمشاركة البابا تواضروس، لحل مشكلات ما بين المسلمين والمسيحيين.

«يقوم بيت العائلة على حل المشكلات الطائفية بطريقة سلمية»، يكرر «عبدالحكيم» مراراً تلك المقولة، وأنهم يتركون الأمر للقانون، وأن انتهاج جلسات الصلح شىء جديد يقوم على «من أتلف شيئاً فعليه إصلاحه»، ثم يترك المحاسبة والعقاب للقانون.

وفى قضية كوم اللوفى، التى شهدت أحداثاً طائفية مؤخراً، أسس فيها لتلك النظرية الجديدة وسط رفض الأقباط لجلسات الصلح العرفية، ولكن تكفّل بالتبرع وهو أعضاء بيت العائلة بإعادة المنازل المحترقة لهيئتها الأولى، وشكّل لجنة من القرية نفسها لمتابعة ذلك، ويقول إن بيت العائلة سينتهج تهدئة الأوضاع قبل أى شىء وإرسال بعثات لتلك القرى من مشايخ الأزهر لإقرار مبدأ التعايش ونزع فتيل العنف. ويقول إن الصعيد عموماً، ومن قبل ظهور بيت العائلة فى 2011، يعتمد على المصالحات العرفية، ولكن منذ أحداث الكرم بدأت أصوات تدعو لتفعيل القانون، ولكن فى نفس الوقت وسط تلك الأصوات ما زال هناك الكثيرون ممن يرضون عن الطرق القديمة فى الصلح، مشيراً إلى عزبة عاصم فى قرية إدمو، التى وجد فيها ترحيباً من الأهالى بإقامة جلسة عرفية والتنازل عن الحق الجنائى.

إن هناك من سعى من الأقباط أنفسهم لحل الأزمات بعيداً عن القانون، وفى أزمات أخرى يرفضون ويقولون «القصاص». ويشير رئيس بيت العائلة بالمنيا إلى أزمة اندلعت فى قرية «أبوفلو»: «وحينها وجدت القس أتى لمنزلى ويقول لى يللا نحل الأزمة دية، رحت القرية معاه ومعانا فرد من المجتمع المدنى، لقينا الموضوع فى القسم، حلينا الموضوع هناك وعملنا جلسة الصلح فى القسم»، ويستطرد: «وفى نفس الوقت راح معايا كوم اللوفى.. ولكن دلوقتى مش عايز يحل عرفى.. فى بعض الأحيان يقول لى معنديش تعليمات نطلع دلوقتى.. طب اشمعنى».

 


مواضيع متعلقة