عم أبومارتين

كتب: محمد طلعت

عم أبومارتين

عم أبومارتين

لست أدرى حتى الآن ما سبب فرحتى بخبر موته بسكتة قلبية.. ربما بسبب صوته المزعج.. أو وجهه الشاحب.. أو جفنيه المتشققين المرعبين.. ولعل السبب الأكبر أنه كان يهودى الديانة.. ذلك ما جعلنى أتساءل باستمرار.. لماذا لم يغادر البلاد مع أسرته بعد ثورة ناصر؟! لماذا لم يفر هارباً كما فعل أبوه الجبان؟ ذلك العجوز الأحمق.. ما سر سعادته بوجوده فى بلد ليس له فيه قريب ولا نسيب؟ ما سر حبه فى محله الذى لا تخطو عتبته قدم سوى قدمىَّ وأقدام بعض فاعلى الخير لإطعامه؟ كنت قد اعتدت دخول محله فور خروجى من المدرسة.. كنت أجلس معه ليحكى لى عن قصص مغامراته الجنسية مع النساء ومغامراته الخاصة مع تلك المرأة التى كنت أظن أنها زوجته.. تلك الغامضة هى الأخرى.. ولكن فور خروجى من محله كنت أقول لنفسى.. إنسان كئيب متزوج من امرأة غامضة.. ما نتيجة تلك العلاقة سوى الفشل؟ رجل فاشل.. وهبه الله ورماً سرطانياً فى مخه كى يتعظ.. ويترك ديانته.. ويترك زوجته وأن يعود للصواب.. ولعله اهتدى. كم كنت غريب الأطوار يا عم أبومارتين.. رغم كل كآبتك ورغم عمرك الملىء بالأحداث والأعوام.. وبرغم ظهرك المنحنى كما انحنت ورقة شجر من سرعة زخات المطر المتساقطة عليها فى إحدى ليالى ديسمبر فإنك عاشق لأغانى محمد منير كـالشاب المراهق المُتيم ببنت الجيران. لم أعد أتذكر سوى آخر أيامى معه.. يوم الصراخ.. أجل.. قد سميته يوم الصراخ. فى يوم عاصف سمعت صوته يصرخ.. اندفعت نحو المحل.. لأجده يلهث على الأرض وراء بعض العملات الورقية القديمة فئة الخمسة والعشرة قروش التى طارت من على مكتبه إثر الرياح الشديدة.. جمعتها له وساعدته فى الجلوس.. يومها أخذ يتمتم بكلمات غريبة.. «أنا آسف.. خائنة.. بل أنا الخائن» عيناه لم يستطع فتحهما بسبب الدموع الغزيرة.. ولكنه فتحهما فجأة.. فظهرت فلاحظت لأول مرة لونهما العسلى.. وقال لى «لقد جاءتنى فى منامى بالأمس.. ولكنها كانت تأتينى كل يوم.. فى كل مرة كانت تنظر لى نظرة حسرة وحزن.. ذل وانكسار.. لكن اليوم جاءتنى بنظرة شماتة وغضب.. كأنها تتوعدنى بالانتقام بسبب ما فعلته فيها». بكى بحرارة واستطرد قائلا «لم يكفها أنها كانت سبباً فى دهس ابنتى تحت ترام مصر الجديدة.. و.. ولكننى أيضا أهنتها.. فقد خنتها باسم كل الأديان.. خنتها مع مسيحية عاهرة خانت زوجها معى.. وخنتها مع أخرى مسلمة.. كانت أيضا عاهرة».. توسل إلىَّ لأوصله إلى بيته.. وبحكم رحمتى اللامتناهية.. عزمت على إسناده إلى البيت وفى الشارع ازداد نحيبا وقال بصوت مكتوم «ولكنى أحبها.. أقسم بذلك.. ولكنى لم أستحق العيش معها أو فيها.. هى كانت عظيمة.. ولكن كبرياءها كان أعظم.. لم تسامحنى.. وربما سامحتنى ولكنى تماديت فى أخطائى». صعدنا سويا درجات السلم الأربع ودخلت بيت اليهودى لأول مرة.. بيت بسيط جدا عبارة عن أريكة.. ومنضدة فوقها مسجل جلسنا سويا.. وبعد برهة هدوء قام فيها بالتقاط أنفاسه.. حرك يده تجاه ساعدى وطلب منى أن أعد له شاياً دون سكر.. نهضت ونظرت للحائط لأجده مزخرفاً بعبارات مكتوبة بخط اليد.. «باسمك عشت وباسمك تألمت.. يا واهبة السعادة والألم».. «والله وجاء اليوم لتخاف من بضع ديدان حقيرة.. عجزت؟!».. «الألم الناتج عن الورم السرطانى ليس أشد عذابا من جفن تشقق ولكنه ما زال يذرف بالدموع».. ومقطع من أغنية «اسألينى اشمعنى صابر ع المآسى الملهية.. أقول لك إنى كنت واحد م الغلابة الأغبيا.. اللى صبروا فى انتظار المعجزات والأنبيا واللى فاق من وهمه فجأة لقى كفر قوم عاد». دخلت المطبخ.. نظرت للطاولة.. فجاءتنى الفكرة.. وقررت المخاطرة.. .طاولة عليها إبريق وزجاجة مياه وسرنجة. ما سبب وجودك فى تلك الحياة يا كافر؟ علمنى أبى أن الدين يقول غير المسلم فهو كافر.. فالمسيحى كافر واليهودى كافر.. كيف أقف فى مكانى.. وهناك كافر يفسد وينال من الذنوب ما يناله؟ ما هى إلا حقنة هواء بسيطة فى وريدك الأيسر وتبنى لى قصور فى الجنة»، التقطت السرنجة وأعددت الشاى فسمعت صوت ضغطة على زر تشغيل المسجل لتنساب موجات منير «وليه تسكتى زمن.. اتكلمى.. ليه تدفعى وحدك التمن.. اتكلمى.. » خرجت وجلست معه.. انتظرت حتى يرتشف آخر رشفة.. نظر لى وابتسم وقال «أشكرك يا.. »، لم أدع له الفرصة لينطق اسمى على لسانه الدنس وفى ثوان كانت فقاعة الهواء فى طريقها من ذراعه إلى قلبه إلى السكتة إلى انتقال الروح إلى النار. خرجت بهدوء من البيت وأغلقت الباب بإحكام فاختفت تدريجيا كلمات منير «المشربيات عيونك بتحكى ع اللى خانوكى.. واللى سنين هملوكى جوا البيبان سلسـلوكى.. وليه تسكـ.. ». سرت فى الشارع متمتما «لن أراك ثانية يا عم أبومارتين.. ولكن اطمئن.. بالنسبة لحكاياتك الجنسية فتكفينى الأفلام الإباحية وبالنسبة لصوتك العالى فقد تخلصت منه للأبد.. وبالنسبة لى.. فأنا فى الجنة خالدا فيها أبدا.. وأنت.. أنت فى النار.. إلى الجحيم بلا عودة.. الى المصير البائس».