جولته فى ميدان التحرير غير عادية، فلا يهتف ولا يحمل لافتات بمطالبه ولا يدخل فى نقاش، يسير صامتا، جلبابه الفضفاض يشير إلى «صعيديته». بين يديه يحمل لافتة فارغة، يلفت بها الانتباه دون أن ينتبه هو إلى أحد، يخيم الظلام على الميدان، فيبدأ هو مهمته: «بألخص كل اللى حصل طول النهار فى مشهد واحد وعبارة واحدة بتختلف من يوم إلى آخر ومن مليونية إلى أخرى».
صبرى الوردانى سليم، هو اسمه، عندما تسأله عن عنوانه يرد: «الصينية» -قاصدا التحرير- فهى مقر إقامته منذ أن غادر بلدته «بربا» بسوهاج، عائدا للميدان بعد أن تركه عاما كاملا عقب تنحى مبارك.
يوم جمعة الغضب ألقى به القطار فى محطة الجيزة: «كنت جاى أقضى مصلحة.. حذرنى عمال المحطة من المظاهرات، لكن كملت، وأول ما وصلت ميدان عبدالمنعم رياض وسمعت إشارات الضباط عبر اللاسلكى -اخلى المكان- قررت ماسيبش الثوار 3 أيام، لا حسيت بجوع ولا عطش ولا تعب من الوقفة».
لا يعلم عم صبرى على من يثور، أو على ماذا، يعلم فقط أنه كغيره من ملايين الضحايا، لم يعلم أبناءه الستة لأن التعليم بقى حفظ وخلاص، كره الرجل الخمسينى مبارك ونظامه عام 1985، فقرر السفر إلى الأردن ومنها إلى العراق ثم ليبيا، لم يترك مهنة إلا وعمل بها، قبل أن يستقر على نجار مسلح.
رغم اعتراضه على طريقة الحكم فى الفترة الانتقالية، لم يهتف يوما ضد العسكر فقد شارك فى حرب 73 وهو ابن 14 سنة، حين ركب قطار الجنود المتجه للسويس وناشد قائد الكتيبة أن يتركه فقال له: «خليك يمكن ربنا ينفخ فى صورتك»، كان ذلك عصر يوم 4 أكتوبر ولم يعلم حينها أن هناك حربا، غير أنه يفخر إلى الآن بوجوده على سطح أول مجنزرة عبرت القناة يوم 7 أكتوبر ويباهى بشظايا الرصاص -الباقية آثارها فى قدمه اليسرى- التى أصابته أثناء حمايته لعرين الوطن، فقد تربى على حب مصر، حسب تعبيره، «جدى استشهد فى ثورة 1919 وابويا مات من الحسرة على عبدالناصر».
فى نهاية كل يوم يجمع عم «صبرى» رفقاءه فى الميدان ليخبرهم برؤيته فى جملة واحدة يخطها له أحد الثوريين، بعدما يمليها عليه الرجل الأمى.