داخل قاعة البرلمان كان كل شىء مُعداً لاستقباله، الأضواء التى ستتركز عليه، جموع الصحفيين الذين ينتظرون نداءاته، كاميرات التليفزيون التى ترغب فى بث همساته، لم يبقَ سوى أن يراجع أفكاره، ويرتب كلماته على أسطر من الورق الأنيق ليبدأ جولة جديدة «ضد النظام» قبل أن تدفع به نزيلاً فى السجون المباركية، مُكبَّلاً بأغلال الليبرالية التى ظل يدافع عنها.
لم يثنِه السجن عن قناعاته، ولم تستطِع الجدران أن تحجب كلماته من الوصول للشريحة الأكبر من المواطنين، فتغيير النظام ما زال حلماً حتى الآن، لم يجد سبيلاً لتحقيقه سوى بأسلوبه الرزين وكلماته الأنيقة، ودعوة تطلق فى وجه سلطان جائر عشية اندلاع الثورة، «آن الأوان أن ترحل» بعد أن خالفتَ العهد، والقسم الذى أقسمت. وعلى غير المتوقع، استجاب الملايين لدعوته وغيره من السياسيين فأزيح النظام، وسقط الطاغوت، ولاحت شمس جديدة فى الأفق، ولكن عليه أن يشد الهمم ليحجز لنفسه موقعاً بين نخبة العهد الجديد، ليكون زعيماً لـ«غد الثورة»، وحكيماً بين قادتها، ولكن عليه أن يخلع ثوب المعارضة، ويعكف على رسم طريق خاص يسميه «الوسطية»، فمهما كانت حماقات النظام لا تصطدم معه، وأينما كانت حماقات المعارضة لا تنفصل عنها. اعتاد العزف على «الطبلة»، يطرب آذان المجذومين بإيقاعه على وقع «الطبلة»، فاليوم يؤكد ويبارك ممارسات النظام الإخوانى، ويسعى لوساطة زائفة بين القوى المتصارعة أملاً فى تقمص دور «الحكيم»، دون أن يلتفت لتشابه الممارسات بين نظامى «مرسى ومبارك»، فالأولى يباركها، والثانية ينتقدها.
بعد رفضه من قِبل قيادات «جبهة الإنقاذ الوطنى» لم يجد سبيلاً سوى التقرب للنظام الإخوانى، ولكن يبقى تغير بسيط فى المبادئ والمعتقدات لتلائم الوضع الجديد؛ فلا مانع من حوار مع سلطة تورطت فى إراقة الدماء. «اليوم ننجيك بحزبك لتكون لمن خلفك آية»، رسالة حرص عدد من الشباب على توجيهها للقيادى الليبرالى من خلال إعادة حرق مقر «غد الثورة»، فالحزب الذى احترق من قبل بأيدى نظام مبارك لاقى مرة أخرى نفس المصير على أيدى ملثمين يدعون أنهم حماة الثورة، ليؤكدوا لـ«نور» أنه لا وجود للطريق الوسطى، داعين إياه للعودة لصفوف المعارضين، مدافعاً عن لواء الثورة، مطالباً بحقوق من دفعهم للتضحية بأرواحهم لتحقيق هدف لم يُكتَب له أن يتحقق بعد، فهل آن الأوان لعودة ابن الليبرالية الضال لأحضان المعارضة، أم يظل منتهجاً طريقاً لا يسلكه غيره؟.