80 عاماً فى «قص الأثر» على الرمال.. فتش عن «جلاب»

كتب: محمد أبوضيف

80 عاماً فى «قص الأثر» على الرمال.. فتش عن «جلاب»

80 عاماً فى «قص الأثر» على الرمال.. فتش عن «جلاب»

يحافظ على منزله العتيق على هيئته الأولى، حوش صغير وغرفة بالداخل للمبيت والنوم، ومكان لـ«الجمال» التى يرفض بيعها رغم انقطاعه عن الخروج للصحراء منذ أكثر من 30 عاماً، وعلى حصير صغير جلس زيدان جلاب بجسده النحيل، وشعره الأشيب، أقدم دليل بدوى وقصاص أثر بواحة الفرافرة، يتحسس كوب الشاى بيديه اللتين لم تترك فيهما تجاعيد الزمن مكاناً، ويروى لـ«الوطن» تاريخه مع الخروج للصحراء بصحبة القوافل التجارية من الواحة نحو الصعيد أو الواحات البحرية ليستبدل البضائع ويعود بما تحتاجه الفرافرة من ملابس وطحين وبضائع تلبى احتياجات أهلها.

{long_qoute_1}

الرجل الثمانينى يخلع عن رأسه طاقيته الصغيرة، ويشير بأصابعه المرتجفة لجرح غائر تخفيه بعض الشعيرات البيضاء المتبقية فى رأسه الأصلع، ذلك ما تبقى من آثار عملية جراحية كبرى أجرها منذ 30 عاماً بعدما أصابه مرض برأسه، ومن يومها أقلع «جلاب» عن الخروج للصحراء، سواء كدليل بدوى قديم يعرف دروب الطرق والصحراء ويحفظها عن ظهر قلب، أو قصاص أثر يحفظ نقوش الأقدام ويفرق ما بين أثرها على رمال المدقات والطرق الوعرة.

«ياه.. فرق كبيرة يا ولدى بين دلوقتى وزمان.. دلوقتى الخير كتير والدنيا أسهل»، هكذا بدأ «جلاب» حديثه، مشيراً إلى أنه فى الوقت الحالى مد الطرق سهّل من طريقة نقل البضائع من وإلى الواحة، منذ أن بدأت رياح التعمير تهب على الواحة وتعبيد الطرق بـ«الأسفلت» وتمهيدها، ويقول: «الطرق الحالية من القاهرة للواحة هى نفسها طرق التجارة التى كان يسلكها بالأيام قديماً، وإن الدولة استعانت بدليل ليبى كان مقيماً فى الواحة يدعى على صالح السعدى هو من أخبرهم بالطريق الحالى، ومساره من القاهرة وحتى الفرافرة مروراً بجميع الطرق بين الواحات بالصحراء الغربية». {left_qoute_1}

ويتذكر الرجل العجوز أنه قبل تعبيد الطرق كانت القوافل تخرج بالأيام تضرب فى الصحارى، خمسة أيام نحو الواحات البحرية وأسبوعاً أو أكثر نحو الصعيد، ويحمل كل مسافر «قربة» من المياه تكفيه حتى الوصول لمقصده، ويصطاد الغزلان: «صيد الغزلان ده رزق وكانوا زمان كتير زى الماعز.. بس دلوقتى اختفت»، وتحمل القوافل التمور والخوخ والفواكه الناضجة، لتجلب من الواحات البحرية الملابس والدقيق.

ويسير «جلاب» ورفقته من القوافل على رؤية النجوم، كما قال تعالى «وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ»، مستشهداً بقوله تعالى فى سورة النحل، ينظر إلى السماء خاصة فى الليالى القمرية التى كان يحلو لهم السفر فيها، ويتجه من خلال بعض النجوم الثابتة فى السماء، التى يحدد من خلال الاتجاهات، ولم يكن السير فى الصحراء فقط الذى يستعين فيه بالنجوم ولكن أيضاً كان يحدد خلالها المواقيت، فكل نجم له ميعاد للسطوع وموعد للاختفاء، ويظل فى السماء لفترة بعينها لا يقدم ثانية ولا يؤخر، ومن خلالها كان يحدد أيضاً مواعيد وفترات استحواذ كل قبيلة على عيون المياه لرى أشجار النخيل، حسب رواية الرجل العجوز: «فى النهار بالشمس وفى الليل بالنجوم».

ويهوى «جلاب» تقصى الأثر، ولكن كانت مهنته الرئيسية منذ عودته للواحة من القاهرة هى قيادة القوافل فى الصحراء: «تقصى الأثر دية كانت شغلانة كده لما الزمان يلطش معانا»، حيث توجه العجوز فى الخامسة عشرة من عمره نحو القاهرة، ليعمل خادماً لدى أحد كبار العائلات فى الحلمية وقتما كان الملك فاروق يحكم مصر، واستمر هناك حتى حل الرئيس أنور السادات رئيساً بعد وفاة الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، وقتها قرر العودة ليعيش فى كنف أهله بالواحة ويعود من جديد للعمل كدليل فى الصحراء.

بلهجة بدوية قديمة لم تختلط بلهجة القاهريين كشباب الواحة يشرح جلاب كيفية تقصيه الأثر فى الصحراء: «كل واحد ليه أمارة، وكل عيلة وليها أمارة ولو العائلة فيها 100 راجل كلهم هتلاقيهم ليهم شكل مشترك للأثر»، وينظر الرجل العجوز نحو الأثر فيستطيع أن يميزه من تركه من علامات بارز فى رمال الصحراء ليقول: «اللى اتحرك من هنا من عائلة فلان»، وليس هذا كل ما فى الأمر، ولكن يستطيع أيضاً أن يحدد هوية الشخص سواء كان رجلاً أم امرأة، وإن كانت تلك المرأة حاملاً أم لا، ويدلف: «كل واحد ليه بصمة فى رجله زى بصمة الإيد بالظبط.. العائلة تنادى بعضها وحتى ولو واحد اتربى بعيد عن أهله برضه تلاقى أثره نفس أثر عائلته»، بخلاف الحيوانات من الجمال والبعير والماعز حيث يستطيع مما تخلفه وراءها فى الصحراء أن يحدد طريق سيرها وانتماءها لأى قبائل.


مواضيع متعلقة