أوعى تكَشَّر.. اقْصِرى الشَّر يا عُورة

كتب: محمد حلمي

أوعى تكَشَّر.. اقْصِرى الشَّر يا عُورة

أوعى تكَشَّر.. اقْصِرى الشَّر يا عُورة

فى ظنى أننى سوف أظل أنظر بعين التشاؤم إلى مستقبل العرب ما حييت.. ربما يتهمنى البعض بأننى أنظر إلى نصف الكوب الفارغ.. إلى آخر هذا الكلام الفارغ، أو يقول قائل بأسلوب لا ينقصه الأدب إننى غير منصف؛ لأننى أنظر «بعين واحدة»، وإذا ازددت إصراراً على موقفى، قد يفاجئنى هذا الخَلُوق بعد أن ألقى عليه تحية الصباح بقوله: «اقصرى الشر يا عورة»، وتلك هى مصيبتنا نحن العرب إذا اختلفنا.. نبدأ بتلقيح الكلام، ثم الردح، إلى أن نصل لمرحلة الأحزمة الناسفة، دون أن نتوصل إلى نتائج محترمة من خلافاتنا. حقيقة الأمر أننى لا أنظر بعين واحدة إلى مستقبل العرب، وإنما بعينين مفتوحتين على اتساعهما، وفقاً لنظرية «م العين دى حبة والعين دى حبة اعرف يا هاجر طبع الأحبة».. عين على الحاضر، والعين الأخرى على المستقبل.. الحاضر غير مريح بالمرة، ومن ثم فالمستقبل غير عاطفى بالمرة. مناسبة ما أكتبه اليوم هى أننى قرأت عن قرب انعقاد مؤتمر دولى حول تكنولوجيا الاتصالات.. قلّبت فى صفحات الذاكرة بحثاً عن صحيفة الحالة الاختراعية للعرب على أجندة الاتصالات، فلم أجد سوى صحيفة حالة جنائية، واكتشفت أننا قوم نستهلك ولا نبتدع، نستعبط ولا نَعْتَبِر.. واقرأ معى يا مواطن ذِكْر ما جرى بأحد المؤتمرات الدولية، عندما أصبحت ثورة الاتصالات واقعاً مبهراً على الأرض، بعد أن كانت ضَرْباً من الخيال.. وكان ذلك منذ عدة سنوات مضت. حضر المؤتمر وزير اتصالات عربى، ممثلاً للأمة العربية الجميلة، وكان حضوراً تاريخياً بامتياز.. ذلك أنه استطاع أن يعبر بعبقرية وذكاء نادرين عن موقف العرب من ثورة الاتصالات، كما يتضح من هذه الواقعة. فى ورشة عمل ضمن فعاليات المؤتمر، كان كل وزير يستعرض أمامها آخر ما وصلت إليه تكنولوجيا الاتصالات فى بلاده، وكان العرب وقتها ما زالوا يناقشون سبل الاتصال بالعالم السفلى! جلس الوزير العربى وبجانبه الوزير اليابانى بالصدفة.. قبل بداية وقائع الورشة رفع الوزير السويدى جهازاً بحجم الترمسة وتحدث منه، فسأل الوزير العربى نظيره اليابانى: ما هذا؟ قال له: هذا أحدث ما توصل إليه السويديون فى عالم «الموبايلات».. ثم رفع الوزير الأمريكانى إصبعيه الخنصر والإبهام (يعنى الصباع الصغير والكبير، عشان ما تتلخبطش) وقرّبهما من أذنه وتحدث، فسأل وزيرنا العربى نظيره اليابانى: ما هذا؟ قال له: إنهم الأمريكان يا عزيزى، توصلوا إلى إجراء المهاتفات عبر أصابعهم.. وفجأة سمع العربى رنين هاتف لم يقطعه سوى قيام الوزير اليابانى بمد بوزه إلى الأمام وهو ينظر إلى أعلى وطفق يتحدث باليابانية (حلوة طفق).. ووسط حالة من الذهول سأله الوزير العربى: وما هذا إن شاء الله؟! قال اليابانى: نحن اليابانيون يا عزيزى، لقد تجاوزنا مراحل الاتصال من خلال الترمسة والأصابع، ونتحدث إلى الهواء مباشرة.. كان صاحبنا الوزير العربى قد أعد ورقة مكتوبة ليتلو منها آخر ما توصل إليه العرب فى عالم أجهزة الاتصالات، دون أن يحضر معه أى جهاز كالآخرين، فأمسك بالورقة وطواها عدة طيات ووضعها فى فمه وابتلعها، فسأله الوزير اليابانى بدهشة: ما هذا؟! قال له: ببعت فاكس! دعونا نضحك من بلاوينا، بدلاً من البكاء والعويل.. ذلك أن فى الضحك حياة.. أقول قولى هذا وأستغفر الله لى أنا لوحدى؛ لأن مفيش حد يستاهل. واوعى تكَشّر.. اوعى.