القليوبية: مبادرة «خالية من الدروس الخصوصية».. «شو إعلامى» والواقع مرير

كتب: حسن صالح

القليوبية: مبادرة «خالية من الدروس الخصوصية».. «شو إعلامى» والواقع مرير

القليوبية: مبادرة «خالية من الدروس الخصوصية».. «شو إعلامى» والواقع مرير

فى أول يوم عمل له بعد توليه منصبه وكيلاً لوزارة التربية والتعليم بمحافظة القليوبية، أطلق طه عجلان مبادرة «القليوبية خالية من الدروس الخصوصية»، إلا أن المبادرة، رغم ما تحمله من تطلعات للكثيرين من أبناء المحافظة، اصطدمت منذ يومها الأول بالواقع المرير، حيث تملأ إعلانات مراكز الدروس الخصوصية مواقع التواصل الاجتماعى، لجذب أكبر عدد من الطلاب قبل بداية العام الدراسى، ومن جميع المراحل التعليمية، بينما يتسابق طلاب الثانوية العامة بالطوابير أمام أبواب مشاهير المدرسين فى سائر مدن القليوبية، ولجأت مراكز الدروس الخصوصية، خاصة فى شبرا الخيمة وبنها والقناطر الخيرية، على وجه التحديد، إلى كثير من الحيل، للتهرب من أى محاولة لإغلاقها، بدعوى أنها «مجموعات تقوية مجانية»، تتبناها بعض الجمعيات الأهلية، كما أن لدى الكثير من تلك المراكز «عيوناً» داخل مديرية التعليم، تبلغ القائمين عليها بمواعيد لجان التفتيش.

{long_qoute_1}

جميع أطراف منظومة التعليم فى القليوبية، من طلاب ومدرسين وخبراء وحتى أولياء الأمور، يعتبرون أن القضاء على ظاهرة الدروس الخصوصية هو «ضرب من الخيال»، فى ظل استمرار المنظومة الحالية، والمناهج التى تقوم على الحفظ والتلقين، وعدم التزام كثير من المدرسين بالشرح، مما يضع الطلاب أمام خيار وحيد لا بديل عنه، هو مراكز الدروس الخصوصية، حيث يؤكد «محمود زكى»، طالب ثانوية عامة، أنه لا يذهب إلى المدرسة منذ الصف الأول الثانوى، وأنه يعتمد على الدروس الخصوصية لتحصيل دراسته، قائلاً: «مفيش تعليم فى المدرسة، والدرس هو الأساس»، ويتفق معه فى الرأى «عمرو مصطفى» بقوله إن «المدرسة لا تقدم أى شىء، والمدرسون يتعمدون عدم الشرح حتى نذهب لأخذ الدروس عندهم»، مشيراً إلى أن المدرس فى الدرس الخصوصى يقوم بالشرح أكثر، بجانب إكساب الطالب مهارات جمع الدرجات، وهو الأمر الذى يريده الجميع حتى يحصل على مجموع كبير يحقق حلمه فى الالتحاق بإحدى كليات القمة».

أما أولياء الأمور فهم «الفئة المطحونة» فى هذه المنظومة، بين «مطرقة» الأمل فى تفوق أبنائهم، و«سندان» مراكز الدروس الخصوصية، التى استغلت ما حدث مؤخراً من مطاردات وإغلاق بعض المراكز الشهيرة، وغلاء الأسعار، فقامت برفع رسومها، أو ما يسمونه «الفيزيتا»، لدرجة أن درس المجموعة الخاصة فى المنزل لـ5 أفراد فى مادة «الفيزياء»، على سبيل المثال، يبلغ حوالى 700 جنيه شهرياً للطالب الواحد، بعد أن لجأ كثير من مدرسى المراكز لهذه الحيلة، بعيداً عن حملات الإغلاق، ونظراً لقلة عدد المستفيدين من الحصة، التى كانت تستوعب ما لا يقل عن 40 طالباً، مما يرهق ميزانيات كثير من الأسر ممن لديهم أبناء فى الثانوية العامة.

ويؤكد «عادل محمود»، أحد أولياء الأمور، أنه فوجئ بقيام مدرسى المجموعات فى المنازل برفع مقابل الدرس لمبالغ وصلت 700 جنيه شهرياً فى المادة الواحدة، لمجموعة لا تتعدى 10 طلاب، بسبب إغلاق وملاحقة بعض المراكز الكبرى، ناهيك عن «المعاناة فى حجز الدروس مع المدرسين، وخاصة المشاهير منهم، الذين يجرون اختبارات للطلاب قبل قبولهم، وإجراءات حجز للدروس تفوق الالتحاق بالكليات العسكرية، وهو الأمر الذى يرهق الأهالى، حتى وصل الأمر للبحث عن واسطة، حتى يقبل المدرس بالطالب، ويحدد له المجموعة المناسبة».

ومن جانبهم، رفض عدد من المدرسين الاتهامات الموجهة إليهم بأنهم يستغلون أولياء الأمور، مؤكدين أن الغلاء والحالة الاقتصادية الصعبة، بجانب تدنى أجور المعلمين، هى أسباب لجوئهم لإعطاء دروس خصوصية، وأكد أحد المدرسين، رفض ذكر اسمه، أنه لجأ للدروس حتى يعوض تدنى مستوى الراتب، وحتى يعيش «حياة كريمة»، قائلاً: «الحياة ضنك والدروس الوسيلة الوحيدة لزيادة الدخل»، متسائلاً: «هناكل منين إحنا وعيالنا؟»، وتابع بقوله: «لا نضرب أحداً على يده للحصول على درس، الطلاب وأهاليهم هم من يلهثون وراءنا»، على حد تعبيره.

من ناحية أخرى، كشفت مخاطبة رسمية صادرة من وزارة التربية والتعليم إلى مديرية التربية والتعليم بالمحافظة، لاتخاذ الإجراءات القانونية لغلق مراكز الدروس الخصوصية، أن مدينة شبرا الخيمة تحتل المركز الأول فى عدد المراكز، بواقع 55 مركزاً، تليها مدينة الخانكة بـ44 مركزاً، ثم مدينة العبور بـ14 مركزاً، والخصوص 9 مراكز، واللافت أن تقريراً مرفقاً بخطاب الوزارة، تضمن عدداً من المدن ذكر أنها لا تحتوى على مراكز للدروس الخصوصية، ومنها مدينتا طوخ وشبين القناطر، وهو أمر يخالف الواقع تماماً، حيث تنتشر مراكز الدروس الخصوصية فى كافة قرى ومدن المحافظة، ودون استثناء.

وفى المقابل، شنت أجهزة محافظة القليوبية العديد من الحملات لإغلاق مراكز الدروس الخصوصية، كان أكبرها فى مدن الخانكة وشبرا الخيمة، حيث تم تشكيل لجان لهذا الغرض، ضمت أعضاء من الأجهزة التنفيذية والوحدات المحلية وممثلين عن التربية والتعليم وقوات من الشرطة، لتنفيذ قرارات الإغلاق والتشميع، حيث تم إغلاق أكثر من 25 مركزاً فى مختلف مدن المحافظة، كما تم تحرير محاضر فض أختام لعدد من المراكز التى عاودت نشاطها، عقب تنفيذ قرار الإغلاق، وأكد السكرتير العام المساعد للمحافظة، المهندس مصطفى عباس، تحرير محاضر «جنح» للمراكز المخالفة، وإحالتها إلى المحكمة.

ومن جانبه، أكد وكيل وزارة التربية والتعليم بالقليوبية، طه عجلان، أنه قبل إعلان مبادرة «القليوبية خالية من الدروس الخصوصية»، تم عرضها على المحافظ، اللواء عمرو عبدالمنعم، خلال اجتماع عُقد مؤخراً لبحث الاستعدادات للعام الدراسى الجديد، حيث شدد المحافظ، خلال اللقاء الذى حضره رؤساء المدن ومديرو المديريات الخدمية، على ضرورة استمرار تنفيذ حملات لإغلاق مراكز الدروس الخصوصية فى كافة القرى والمدن، وأضاف «عجلان» أن «الأيام المقبلة ستشهد مواجهة حازمة من كافة الأجهزة، ضد مراكز الدروس الخصوصية»، لافتاً إلى التنسيق مع الأجهزة الأمنية والمحافظة، وكافة الأجهزة المحلية، محذراً من أنه «لا تهاون» فى انتزاع تلك الآفة التى تؤرق المجتمع، وإنهاء معاناة أولياء الأمور مع مراكز الدروس الخصوصية، وتوعد بإحالة أى مدير مدرسة يسمح للمدرسين العاملين فى تلك المراكز، بالخروج أثناء الدراسة، للتحقيق واستبعاده فوراً.

أما «الدكتور صلاح محمد»، أستاذ الصحة النفسية والخبير التربوى، فقال إن «الدروس الخصوصية نتيجة طبيعية لمناهج التعليم المترهلة، والسعى الدؤوب لأولياء الأمور للحصول عليها، كوسيلة لحصول الطالب على مجموع كبير للالتحاق بكلية من كليات القمة، دون النظر إلى قدرات الطالب أو رغباته أو ميوله أو حتى مؤهلاته التى تؤهله لهذا المجال من عدمه، ولذا نجد التهافت عليها بشكل غريب، مما جعل الأمر يستفحل ويصل إلى حد الإدمان»، وأكد أن «الحملات التى يتم إطلاقها بين الحين والآخر لن تجدى نفعاً فى مواجهة هذه المشكلة، أو الحد من مراكز الدروس الخصوصية، إلا فى حالة العمل على تغيير منظومة التعليم ككل، وخاصة المناهج التى تقوم على الحفظ والتلقين، وكذا أسلوب الامتحانات العقيم المستخدم فى مصر، الذى يجعل من الطالب وعاءً لجمع المعلومات، لاستخدامها فى الامتحان، ليخرج بعدها لا يتذكر شيئاً مما تعلمه، ولكنه حصل على المجموع الكبير للالتحاق بكلية قمة»، مشيراً إلى أن هناك كثيراً من الحالات التى تواجه صعوبات بعد ذلك فى الدراسة بتلك الكليات، ويفشلون فيها، مما يضطرهم إلى تغيير مسارهم، نتيجة هذه «الآفة المزمنة»، على حد وصفه.


مواضيع متعلقة