حلم من «بلاد بره»: وسيلة انتقال آدمية بـ«الكرسى».. بدلاً من البهدلة

كتب: الوطن

حلم من «بلاد بره»: وسيلة انتقال آدمية بـ«الكرسى».. بدلاً من البهدلة

حلم من «بلاد بره»: وسيلة انتقال آدمية بـ«الكرسى».. بدلاً من البهدلة

عندما تفكر فى الحصول على وسيلة مواصلات مناسبة للذهاب إلى مكان تنشده، يتبادر إلى ذهنك الحل الأسهل -وهى مسألة نسبية تخضع لمعنى كلمة الأسهل بالنسبة لكل منا- فهناك من يرى أن الأسهل هو الأرخص، فيقف على الفور مع الغلابة تحت لافتة محطة الأوتوبيس، وهناك من يرى أن الأسهل هو الحل الوسط ويتجه إلى الميكروباص ويتحمّل سخافة «الـ4 ورا يا حضرات»، وجنون السائقين والوقوف كل 10 أمتار، ومنا من يبتسم له الحظ ويرى أن الأسهل هو أن ينادى بأعلى صوته «تاكسى»، ليجد نفسه فى سيارة محترمة كثيراً ما تكون مكيّفة وآخر موديل.. لكن تُرى ما الحل حينما تكون من رواد الكرسى أبوعَجل، أى تحتاج إلى سيارة لحمل سيارتك الخاصة.. يقول حسن فريد، صاحب كشك: «ليه يا أستاذ بتفكرنى بالهم الأسود ده.. ده إنت بتكلمنى على عذابى اليومى، تصوّر أننى يوميا أحمل هم ما يحدث لى فى رحلة العذاب اليومى بمجرد أن أفتح عيونى، لأنها حقاً تجربة مريرة، فأنا أولاً أبحث عمن يخرج لى الكرسى خارج البيت، ثم أبدأ البحث عمن يخرجنى شخصياً، حال انصراف حامل الكرسى، لأننى غالباً أتركه يمضى مشكوراً بعد معركة الكرسى، الذى يبهدل هذا الرجل الطيب ويبهدل هدومه، ويحولها إلى كيس من التراب بسبب تراب العَجل».[Image_2] يتوقف «عم حسن» قليلاً وكأنه يلتقط أنفاسه ليعود فيقول: «هذه هى المرحلة السهلة، اللى جاى بقى هو الأصعب، مرحلة البحث عمن يلين قلبه وتدغدغ مشاعره ويرضى يركب الكرسى المتحرك ويركبنى معه، لنتحرك إلى مكان أكل عيشى، وهنا فعلاً الكارثة والبهدلة، فلا أحد يرضى، ولو رضى لازم يكون باله طويل، لأن الكرسى بيجرح التاكسى أو السيارة اللى هتشيله، ويا سلام بقى لو توك توك، لازم يكون بمواصفات خاصة جداً، ويكون كنبته الخلفية بلا زوائد، ويكون من غير سماعات خلفية ولا (صب ووفر) من بتاع اليومين دول، وعلى كده يومياً والله، عقبال ما أوصل الشغل أكون خلاص مش قادر أقاوم ونفسى أروح أريح.. بس هنعمل إيه أكل العيش». عندما سألناه: إيه الحل؟ رد: «الحل أن الحكومة اللى أنا عارف مدى ما تتحمله تحس بينا شوية، وتشوف الدنيا برة وصلت لإيه وتجيبلنا اللى قبله بكام سنة، يعنى إحنا مش قد تاكسيات الإعاقة ولو أنها عادية.. ترجعلنا الأماكن الخاصة بينا فى الأوتوبيس أو تحترم آدميتنا وتجيبلنا الأوتوبيسات المجهزة لكرسى الإعاقة، أهو أى حاجة بدل البهدلة دى.. يالله الحمد لله.. إحنا أحسن من غيرنا». وعلى النقيض تماماً من رحلة «عم حسن» وكرسيه المتحرّك، تروى لنا «علا عمار» حكايتها مع تاكسى دبى، تقول: «كنت فى أحد مولات التسوّق فى مدينة دبى، وبعد رحلتى طلبت من أحد حراس منافذ الخروج أن يتفضل ويوقف لى تاكسى، وفوجئت به يتقدّمنى مرحباً إلى بوابة الخروج التى علمت أثناء طريقى إليها أنها خاصة بذوى الإعاقة، خصوصاً أن الرسم كان يشير إلى رمز الكرسى المتحرّك، وقبل أن نصل إلى البوابة كان رجل الأمن قد أبلغ أحدهم أنه يتقدمنى ونحن فى الطريق ونريد تاكسى، وبمجرد وصولنا إلى البوابة وجدت أمامى تاكسى يحمل نفس ألوان وتصميم وشعار تاكسيات مدينة دبى، الفارق الوحيد كان فى تصميمه، حيث كان مجهزاً لصعود الكرسى لداخله وأنا فوقه دون أى مجهود منى أو ممن حولى، لأن كل العملية تتم أوتوماتيكياً وبمنتهى السهولة، وبعد لحظات كنت أجلس على كرسى بمنتهى الآدمية داخل التاكسى، وأنظر إلى الدنيا من فوق وكأنى أمتلكها كلها فى قبضة يدى». وتضيف: «المدهش أن الأسعار هى نفس أسعار أى وسيلة انتقال أخرى، وبنفس الشروط والحقوق والواجبات، وكل هذا يؤسس للمعنى الحقيقى والملموس لما يطلق عليه فى الخارج الدمج والمساواة، وهى معانٍ لا نعرف هنا عنها سوى حروف نطقها فقط، ولا علاقة لنا بها، وبالمناسبة هذه الأنواع من التاكسيات المجهّزة معفاة من الجمارك، ولا تكلّف الدول التى تستخدمها تكاليف خرافية كما سيتبرع البعض ويتسرع ويقول: هو إحنا زى دبى؟ أنا عارفة إن هو ده اللى إحنا شاطرين فيه». وبعد عزيزى القارئ ما رأيك فى رحلة كرسى «عم حسن» ونقلة «عم حسن» نفسه، وما بين رحلة «علا» فى بلاد تعرف الرحمة والمساواة؟ من غير كلام كتير.. الصور هتعرّفك الفرق بين الحلول التى تحترم إنسانية أبناء آدم، وحلول أخرى لا تعترف أصلاً بأبناء آدم ولا هابيل ولا قابيل.. وأخيراً نقول: مهما اختلفت الحلول السابق ذكرها، سيتجمع رواد أوتوبيس الغلابة مع راكبى الميكروباص ومريدى التاكسى فى نقطة التقاء واحدة، اسمها «الخنقة المرورية»، ولا عزاء للى وراه ميعاد.