«ما بعرف شو حصل لى بعد انطفاء أضواء القاعة»

كتب: عبير عبدالستار:

«ما بعرف شو حصل لى بعد انطفاء أضواء القاعة»

«ما بعرف شو حصل لى بعد انطفاء أضواء القاعة»

كانت ليلة شديدة البرودة فى منتصف شهر يناير، عندما ترك الأسرة وتوجه إلى غرفته لعله ينعم بالدفء قليلاً داخل سريره. وما كاد النوم يتسلل إلى عينيه حتى سمع أخته الكبرى «عزيزة» تتشاجر مع والدته. - بدى أروح السينما يا أمى الله يخليكى.. الفيلم جديد.. إنتى بتعرفى أد شو بحب الأفلام الجديدة. توسلات الابنة لم تشفع لها عند الأم التى أصرت على الرفض، ودافِعها الغربة التى تشعر بها بعد انتقالهم من سوريا إلى العراق. دخلت الأم إلى غرفة ابنها الذى اختبأ من برد الشتاء القارس فى سريره: - قوم رفيق حبيبى.. بدى تروح مع أختك للسينما. لم يرفض الابن، فالسينما أفضل من محاولة استجداء النوم. الابن الذى لم يتعد عمره 8 سنوات جلس إلى جوار أخته فى سينما بغداد ليشاهد أول فيلم فى حياته وهو الفيلم الأمريكى «سويس». لم يخرج من السينما مثلما دخلها، فعالم الإبهار والجاذبية جعله يدخل فى نوم عميق. استيقظ فى اليوم التالى.. ارتدى ملابسه وخرج دون أن يخبر أحداً إلى العالم الآخر الذى اكتشفه مؤخراً. أمام باب السينما وقف طويلاً يتأمل أفيش فيلم «سويس»: - الله يخليك عمو.. تسمح لى أشوف الفيلم؟ - معك مصارى؟ - ما معى.. بس بوعدك ما بعمل شى يزعلك وما بخبر حدا. حوار دار بين الابن وعامل السينما، لم يتوقع أن ينتهى بدخوله إلى تلك القاعة التى ظل يحلم بها طوال الليل. علقة ساخنة كانت فى انتظار الابن بمجرد عودته إلى البيت، أما أخته فلم تتوقف عن السخرية منه: - لقد أصبت بجنون السينما الذى لا شفاء منه. لم يرد واكتفى بالحديث إلى نفسه: «ما بعرف شو حصل لى بعد انطفاء أضواء القاعة». ظل الصغير متخوفا من كلمات أخته التى صارت بالنسبة له نبوءة، فهو فى أول رحلة له إلى مصر لم يهتم مثل أقرانه بزياره الأهرامات والآثار، بل قضى إجازته فى السينما والمسرح، وأراد أن يكونا هما مجال دراسته. الأب الذى كان يعمل طبيبا رفض الفكرة؛ فهو يرى أن الفن ليس له مستقبل. رضخ الابن لرغبة أبيه ودرس الحقوق فى فرنسا حتى حصل على الدكتوراه، ومع ذلك لم يبتعد عن السينما. ظلت معه فى الكتب حتى عاد إلى سوريا وقرر إنشاء أول فرقة مسرحية تابعة له. نجاحه فى هذا المجال أغراه بزيارة مصر، ولِمَ لا.. فهى أم الفنون؟ أتى اليها متشوقا لفنها. ألقى نفسه فى أحضانها، ودفع كل ما يملك لإنتاج فيلم كتب له السيناريو بنفسه، لكن تناول الفيلم لمراكز القوى فى مصر تسبب فى منع عرضه فخسر كل أمواله وتراكمت عليه الديون. مرة ثانية قرر إنتاج فيلم، فحقق النجاح المنشود وسدد كل ديونه وبدأ رحلته كأستاذ متفرغ لتدريس النقد والسيناريو فى معهد السينما بالقاهرة، ثم صار ناقدا مصابا بـ«جنون السينما».. إنه السيناريست والناقد المعروف رفيق الصبان.