تعلم أنه لن يرد عليها.. لكنها لا تتوقف عن محادثته.. أو الحديث عن أحلامها برؤيته يكبر ويقوى على العمل.. وقد كان، وأكلت من عرق جبينه.. آخر حديث دار بينهما أنها كباقى الأمهات تريد أن تزوجه وتفرح به، شعر بالخجل وغادرها بحجة أنه سيشترى لها شيئاً.. لكنه لم يعد إليها سوى جثة هامدة، طعنتان فى الرقبة والصدر كانتا كفيلتين بتوصيله لمثواه الأخير.. فى مقابر الأسرة بإمبابة.
هى ربة منزل فى الأربعينات من عمرها، لا تختلف كثيراً عن باقى الأمهات، فقد كافحت لتربية ابنها الوحيد حتى أصبح رجلاً، لكن لم تكتمل فرحتها به لأنه قُتل ثمناً لشهامته أثناء فض مشاجرة بين بعض الأشخاص فى الشارع بجوار منزله.
الجريمة قال عنها أصدقاء مصطفى إنها لم تستغرق سوى 8 دقائق انتهت بمقتله، مؤكدين أنه كان فى طريقه لشراء بنطلون، وأثناء قيامه بفض مشاجرة سدد له أحد الأشخاص طعنتين فى الرقبة والصدر، وأضافوا أنهم حاولوا إنقاذه وتوجهوا به إلى مستشفى الموظفين، ولكنه لفظ أنفاسه الأخيرة قبل وصوله، «والكلام ده كان الساعة 8 مساء وبعدها بحوالى 3 ساعات حضر أحمد ناجى رئيس نيابة الحوادث الساعة 11 بالليل وقررت النيابة تشريح جثته، وأيضا حضرت رتبة كبيرة من المباحث اللواء محمود فاروق مدير المباحث الجنائية وبدأ يناقش فينا علشان يقبض على المتهمين»، والكلام لأصدقاء القتيل الذين جلسوا مع والدته لمواساتها فى تلك المصيبة.
«اسمى فايقة عبدالحميد عويس.. مقيمة فى منطقة إمبابة وقصتى مع ابنى الوحيد بقت مأساة لما اتقتل واتاخد منى، ابنى اسمه مصطفى أحمد وعنده 26 سنة عامل فى ورشة حدادة».. تروى الأم بداية مأساتها وتحكى عن إقامتها فى غرفة واحدة داخل شقة مع أسرة مكونة من 5 أفراد، وتتحدث لتصف دورة مياه مشتركة بين الأسرتين.[Quote_2]
«مصطفى كان بيسيبنى أنام على السرير وينام هو على الأرض، ومش عاوزة حاجة من الدنيا إلا حقه، كان واد جدع وطيب وأنا كنت عايشة علشان أربيه وتعبت فى تربيته سنة ورا سنة لحد ما اتخطف فجأة وقتلوه البلطجية لما اتدخل عشان يفض الخناقة بينهم».. تواصل الأم حديثها وبين لحظة وأخرى تسقط دموعها على وجهها لكنها لا تقدر على التوقف عن الحكى عن مصطفى.
سردت الأم تفاصيل حياتها وقالت «أنا كنت متجوزة من زمان أوى ووالد مصطفى انفصل عنى وكان عمر الواد حوالى 7 سنين»، وأضافت الأم أنها عقب ذلك قررت أن تعيش لابنها الوحيد وبحثت عن فرصة عمل حتى وجدت عملت خادمة فى حضانة بمنطقة المقطم مقابل أجر 20 جنيهاً فى اليوم، وأيضا فى ذلك التوقيت كانت قد استأجرت غرفة فى شقة بإمبابة حتى تتمكن من دفع الإيجار، موضحة أن الشقة كانت عبارة عن 3 غرف وصالة وحمام ومطبخ، والأسرة الأخرى كان نصيبها الغرفتين والصالة.. والحمام مشترك.[Quote_1]
تتوقف عن الكلام قليلاً والدموع تنهمر من عينيها على تلك الذكريات المؤلمة وتكمل: «فضلت على الحال ده.. لمدة سنتين وبعدين.. فوجئت بمصطفى قالى إن هو عايز يسيب المدرسة الابتدائى وهو صغير واشتغل فى ورشة علشان يساعدنى فى المصاريف بتاعة البيت، وسابها وهو ما كملش 19 سنة وكان راجل وعمره فى يوم ما زعلنى».
وتذكرت موقف حدث منه «مرة كان جعان.. ومكانش فى فلوس فى البيت.. وبعدين دخل شاف فى الثلاجة طبق فول من أسبوع.. عمله وأكله.. علشان ما يطلبش منى فلوس.. أصل الشغل كان يوم فى فلوس.. ويوم مفيش».
كبر الابن وأصبح عمره 20 عاماً وكانت أمه فرحانة لأنه طلب منها ترك العمل لأنه أصبح يأخذ من عمله فى اليوم 20 أو 30 جنيهاً «أنا كبرت وبقيت راجل.. وهصرف عليكى من هنا ورايح» هكذا تذكرت الأم جملة ابنها منذ ست سنوات، وتضيف «كان يسألنى كل يوم.. إنتى عايزة حاجة قبل ما أنام.. أعمل إيه.. دلوقتى.. كنت عايشة علشانه.. وفضلت صابرة على البهدلة علشان هو يكبر ويساعدنى.. ولما كبر وبدأ يساعدنى.. اتخطف منى.. وراح عند ربنا.. بس مات غدر.. قالى أنا هنزل من البيت اشترى بنطلون، وراح ومرجعش.. لا رجع.. بس متكلمش ومكنش بيرد عليا لأنه كان غرقان فى دمه.. منهم لله اللى عملوا ده فى مصطفى ابنى وسندى فى الدنيا.. أعيش لمين بعد كده.. وأنا كبرت فى السن.. ربنا يرحمه».
جنازة مصطفى بمنطقته كانت هى الأخرى مكاناً للحديث عن مصطفى وشهامته، حتى إن جيرانه وأصدقاءه وأقاربه اتفقوا على أنهم سيعملون على مساعدة والدته «إحنا هنشيل أمه على دماغنا.. علشان هو كان راجل بحق».