2000 مركز تحفيظ على مستوى الجمهورية: «حبر على ورق»

كتب: سعيد حجازى وعبدالوهاب عيسى

2000 مركز تحفيظ على مستوى الجمهورية: «حبر على ورق»

2000 مركز تحفيظ على مستوى الجمهورية: «حبر على ورق»

فشلت المؤسسات الدينية، ممثلة فى الأزهر ووزارة الأوقاف، فى السيطرة على مراكز تحفيظ القرآن الكريم التى انتشرت على مستوى الجمهورية، ويُقدّر عددها الرسمى بنحو 2000 مركز معترف به من الدولة، وتشمل المراكز التى حصلت على تراخيص من وزارة الأوقاف أو مراكز الجمعيات التابعة لوزارتى الأوقاف والتضامن. وكشفت مصادر عن وجود مراكز أخرى تابعة للتيارات المتشدّدة لا تعلم عنها وزارة الأوقاف شيئاً، ويُقدّر عددها بنحو 8 آلاف مركز.

وأعلن الدكتور محمد مختار جمعة، وزير الأوقاف، العام الماضى، عن وضع استراتيجية لضبط الكتاتيب ومكاتب تحفيظ القرآن الكريم على مستوى الجمهورية، حتى لا يقع النشء فريسة للمتشدّدين. وشدّد على تقنين أوضاع المكاتب الحالية وخلق جيل جديد تُغرس فيه الأخلاق الإسلامية، وروح الانتماء إلى الدين والوطن من خلال مكاتب التحفيظ العصرية. كما أطلقت الوزارة فى ديسمبر 2015 حملة لتقنين أوضاع من تنطبق عليهم شروط التحفيظ، وإعطاء من يجتاز الاختبار الخاص بها تصريحاً بفتح مكتب تحفيظ، مشدّدة على أنها لن تسمح لغير المحفّظين المعتمدين المرخص لهم بالتحفيظ من الأزهر الشريف أو من وزارة الأوقاف بالعمل خارج إطار القانون، إذ إن تشكيل عقول الناشئة أمانة دعوية من جهة، وقضية أمن قومى فكرى من جهة أخرى.

{long_qoute_1}

ونسّقت وزارة الأوقاف مع وزارة التضامن الاجتماعى لوضع اختبارات للمتقدمين بطلب فتح مكاتب تحفيظ عن طريق وزارة التضامن، وحدّدت «الأوقاف» شروط فتح مكاتب تحفيظ القرآن الكريم، أبرزها صلاحية المكان، وأهلية القائم بالتحفيظ لهذه المهمة العظيمة السامية، وذلك «حتى لا يقع أبناؤنا فى أيدى غير المؤهلين، ومن لا يُحسنون تحفيظهم، والإسهام فى تربيتهم تربية فكرية وأخلاقية صحيحة، بل يُمكن أن يتجاوز بعضهم مهمته، فينحرف بأبنائنا فى اتجاه التشدّد فى مرحلة سنّية لا تحتمل ذلك».

وفى سياق متصل، قال الشيخ محمد محمود الطبلاوى، شيخ عموم المقارئ المصرية، لـ«الوطن»: إن مراكز تحفيظ القرآن الكريم ليس لها أهمية، ولا تخدم حفظة القرآن، مشيراً إلى أن التحفيظ له شخصياته التى تقوم به، و«فاقد الشىء لا يعطيه»، ويجب عودة الكتاتيب بدلاً منها، فيجب ألا يأخذ المحفظ أقل من 300 جنيه شهرياً من أجل الاعتناء بالتلاميذ. وطالب «الأزهر» ووزارة الأوقاف بالتطوير فى هذا الشأن.

وطالب الدكتور محمد الشحات الجندى، عضو مجمع البحوث الإسلامية، بتقنين مراكز التحفيظ من خلال مشروع قانون يمنع إنشاءها دون موافقات رسمية، مضيفاً لـ«الوطن»: لم تستطع وزارة الأوقاف أن تسيطر على مراكز التحفيظ أو تلحق بما كانت عليه الكتاتيب فى عصرها الزاهر. وأكد «الجندى» أن دور تحفيظ القرآن وقعت فى أيدى متشدّدين ومتطرفين لهم أهداف وطموحات يلجأون إلى تنفيذها من خلال القرآن الكريم، لتثبيتها فى النفوس الناشئة.

وأضاف: «تشكيل عقلية النشء والأطفال بالقرآن يجعل ما يتحصل عليه ثوابت، فالجماعات المتطرفة تتلاعب بالمفاهيم من أجل تحقيق أهدافها، فهؤلاء الناس فى معظمهم لديهم أفكار متطرّفة ومنغلقة تضر بالإسلام، وتُشكّل العقول على هذا النحو الضحل، الذى لا يدرك مقاصد القرآن ورسالته فى الدين والمجتمع، ومع تعمّد بعضهم تضليل النشء، لخدمة أغراض تضر الدين وتؤدى إلى الانحراف عن رسالة القرآن الكريم، فى مقابل مراكز تحفيظ القرآن التابعة للأوقاف».

وتابع عضو مجمع البحوث الإسلامية: «الحل فى تقييم ومسح شامل لكل هذه المراكز حول الجمهورية، وأن يتم رصدها ووضعها كلها تحت أمر الأزهر ليُشرف عليها، لأن وزارة الأوقاف لا يمكن الاعتماد عليها فى ذلك، لكن المشيخة لديها معاهد للتجويد وكلية للقرآن الكريم، ويجب أن تكون هناك مجموعة من المخلصين والحريصين على القرآن، يستخدمون أدوات حديثة يمكن عن طريقها تصحيح المفاهيم الداخلية، ومواجهة الجماعات المتشدّدة».

وقال الدكتور سالم عبدالجليل، وكيل أول وزارة الأوقاف السابق، لـ«الوطن»: لا بد أن نعترف أن الزمن تطور بشكل كبير، وأننا لم نتطور مع الزمن، ليس فقط على مستوى الخطابة والخطاب الدينى، بل على مستوى مراكز التحفيظ والكتّاب، وللأسف قليل من المعنيين بهذا الشأن اعتنوا بتطوير أنفسهم فى تعليم القرآن، واستفادوا من التكنولوجيا المعاصرة، وهذا سبب عزوف أبنائنا عن الكتاتيب والمراكز».

{long_qoute_2}

وحمّل «عبدالجليل» الإعلام سبب الأزمة، قائلاً: «لا ننسى أن الإعلام كان له دور فى التخويف من الكتاتيب، بوصفها على أنها ثقافة رجعية، وأنها المصدر الرئيسى لتفريخ الإرهاب والتطرّف، فأصبح لدينا عدم اهتمام بالقرآن فى الحضانات والمدارس، والموجود هو إثبات وجود فقط، وكذلك هناك عدم تطوير داخل المساجد فى اجتذاب الأبناء، إضافة إلى عدم تطوير كتاتيب الأزهر، وبالتالى أصبحت المسألة تتم بشكل روتينى، ولا يوجد تحصيل على أرض الواقع».

وأوضح أن المراكز مهمتها تحفيظ القرآن، وهى صورة للمراكز التى قامت لتقوية وإعطاء دروس، وبعضها هادف للربح، وأخرى ليست كذلك، وهذه المراكز يلتحق بها الكبار والصغار، وتتبع جمعيات أو وزارة الأوقاف أو الأزهر الشريف.

وأكد عبدالغنى هندى، عضو المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، لـ«الوطن» أن مراكز تحفيظ القرآن هى البوابة الخلفية لاستمرار وجود الجماعات المتطرّفة فى مجال الدعوة، مضيفاً: استمرار سيطرة تلك الجماعات على المراكز أمر خطير، لأنهم يتعاملون مع الأطفال فى مرحلة يتكوّنون عليها طوال حياتهم، وتقنين هذا الأمر فى غاية الأهمية، صحيح هناك جهد مبذول من الأزهر و«الأوقاف» فى هذا الملف، لكنه يظل جهداً غير كافٍ، لأن فكر المراكز والكتاتيب أعمق بكثير، فتلك الجماعات تشرح بعض الآداب والأحكام، التى تُلزم الطلبة بها، ويتم الضغط على بعض الآيات بشكل أنها تفسر نفسها، فهى أرضية خصبة للإرهاب والتطرّف والعنف.

وأضاف: الحل يكمن فى توحيد الجهود لإحكام السيطرة بشكل فعلى، بمعنى أن يكون هناك تقنين للجمعيات، خصوصاً فى الريف، والتبليغ عن أى مراكز تنشر فكراً متطرفاً بين الشباب، ولا بد من مناقشة أولياء الأمور لأبنائهم فى المحتوى، والاشتباك بالأفكار معهم، لأن سن الأطفال الصغيرة هى الأساس فى التفكير فى ما بعد، فيجب تدريب الأئمة القائمين على مراكز التدريب، فالمراكز التى تخضع لإشراف الأزهر و«الأوقاف» تُقدر بنحو 3 آلاف، لكن هناك مراكز أخرى تابعة لجمعيات وجماعات يجب وقفها مباشرة.

وقال الدكتور فوزى الزفزاف، وكيل الأزهر السابق وعضو مجمع البحوث الإسلامية، لـ«الوطن»: علاج التقصير بمزيد من المتابعة وتعيين الكفاءات التى تُدير هذه المراكز والكتاتيب، لكن القصور فى المعلومات الدينية نتيجة العملية التعليمية، فيجب بذل جهد كبير لتصحيح المسار فيها وتخريج الكفاءات التى يمكن أن تدير العملية.

من جهته، أشار الدكتور عمرو حمروش، أمين سر اللجنة الدينية بمجلس النواب، إلى أن مراكز التحفيظ ينبغى أن تكون تحت إشراف الأزهر و«الأوقاف»، بمعنى التقنين التام لجميع المراكز فى القرى والنجوع، مضيفاً: بعض مراكز التحفيظ بـ«الأوقاف» أداؤها ضعيف، وينبغى تزويدها بالخريجين من كليات الدعوة وأصول الدين، ليكون المركز مؤهلاً للتدريس كعلاج لضعف التحفيظ، مطالباً بزيادة راتب المحفّظ من بدلات وحوافز وأمور نقدية، حتى يكون هناك إقبال على العمل.


مواضيع متعلقة