"فاينانشال تايمز": مخاوف من صعود الإسلاميين المتشددين في تونس
الارتفاع الواضح في عدد التونسيين الذين يلتحقون بالحركات الإسلامية المتشددة يثير مخاوف خبراء الإرهاب والمواطنين في تونس هذه الأيام، هذا البلد الذي كان منبع الانتفاضات العربية والذي أعتبر لفترة طويلة نموذجاً للدولة العلمانية في العالم العربي.
جاء ذلك على أثر ما تكشف من تحقيقات حول الهجوم الذي شنه متطرفون على منشأة غاز عين أمناس جنوب شرقي الجزائر في فبراير الماضي، حيث كشفت التحقيقات أن التونسيين شكلوا غالبية المجموعة المهاجمة. وفي الشهر نفسه قتل أشخاص يشتبه بأنهم إسلاميون السياسي التونسي المعارش شكري بلعيد، وهو من دعاة العلمانية في تونس، الأمر الذي أشعل فتيل أزمة سياسية تسببت في أضرار كبيرة للاقتصاد التونسي الضعيف.
ورغم أن هؤلاء المتشددين يأتون من بلد صغير نسبياً لا يتجاوز عدد سكانه 10 ملايين نسمة، إلا أنهم ظهروا في صفوف المقاتلين الإسلاميين في أفغانستان والعراق وسورية ومالي، وتسبب وجودهم في الخارج وقدرتهم على الحصول على أدوات الحرب، بتعقيد السياسات الخارجية والمحلية للحكومة التونسية الناشئة.
وقال دبلوماسي غربي في تونس: "الحكومة خائفة من تداعيات التدخل الفرنسي في مالي". وأضاف: "لا يريدون الظهور بمظهر من يساند الفرنسيين. فهم يعتقدون أن هناك خلايا في البلاد يمكن أن تسعى للانتقام، لكنهم يخشون كذلك أن يعود هؤلاء الشباب من مالي إلى تونس".
ومنذ أن حصلت تونس على استقلالها سلمياً من فرنسا في الخمسينيات، انتهجت في معظم الأحيان خطاً خاصاً بها بين البلدان العربية، حيث استثمرت في التعليم والبنية التحتية العامة لتشكيل نظام سياسي واجتماعي حديث نسبياً على نحو مشابه لأوروبا أو تركيا، أكثر مما هو مشابه لمحيطها العربي.
ويقول الباحث والناشط في مجال حقوق الإنسان عبد الباسط بن حسن إن "تونس أكثر بلدان المنطقة اتساماً بالحداثة. الحداثة واضحة ومرغوبة من الناس القادرين على التمتع بها، لكن من الصعب تماماً أن تعيش في بلد حديث وأن تكون مهمَّشاً في الوقت نفسه، من الصعب تماماً أن تكون مطلعاً على الأفكار الجديدة، لكنك لا تمتلك القدرة على لمسها". وامتنعت وزارة الداخلية التونسية عن الاستجابة لطلب مقابلة لصالح فايننشال تايمز من أجل مناقشة التهديد الذي يشكله المتشددون الإسلاميون، إذ لا توجد إحصائيات عامة تُذكَر حول مدى مساهمة التونسيين في العمليات المسلحة، لكن الرئيس التونسي منصف المرزوقي قّدر، في مقابلة أجريت معه في أكتوبر الماضي، أن هناك ثلاثة آلاف إسلامي يشكلون تهديداً للبلاد.
ويلفت الباحث في معهد واشنطن لسياسية الشرق الأوسط والمتخصص في شؤون الجهاديين آرون زيلِن، إلى أن التحاق الشباب التونسي بالتنظيمات الجهادية ليس أمراً فريداً " فعدد الليبيين الضالعين في أحداث سورية يفوق عدد التونسيين، وهناك أعداد لا بأس بها من السعوديين والمصريين. كل ما في الأمر هو أنه ظاهرة جديدة، ومقدار المعلومات المتاحة يسمح لنا بأن نراها بصورة أسهل مما كانت عليه الحال في السابق".
ولدى التونسيين تاريخ من مساعدة الحركات ذات الطابع العربي العام، من القضية الفلسطينية إلى القاعدة. فقد اغتال اثنان من التونسيين المتشددين قائد التحالف الشمالي في وادي بانجشير في أفغانستان أحمد شاه مسعود قبل أيام من هجمات 11 سبتمبر على الولايات المتحدة، ويقول بعضهم إن مستويات التعليم العالية تساعد على مساهمتهم في الحركات العالمية.
ويضيف الباحث في مجموعة الأزمات الدولية مايكل أياري، أن "يذهب التونسيون إلى الشرق الأوسط من أجل القتال، فهذا أمر تقليدي. هناك نوع من الرومانسية له دور في الموضوع. وهو يأتي من النظام التعليمي. فلديهم قدر كبير من المعرفة، وبالتالي يتحولون إلى كوادر بسرعة كبيرة".
ومما ضاعف من حدة الخطر الذي يمثله المتشددون على تونس، البلد الذي يمر بمرحلة تحول حساسة منذ الإطاحة بحكم بن علي، زين العابدين بن علي، هو قدرتهم على الاستفادة من الأسلحة التي استولى عليها الثوار من ترسانات معمر القذافي أثناء الحرب المدعومة من الناتو في ليبيا عام 2011.
ويتحدث دبلوماسيون ومحللون ومسؤولون في تونس بنوع من التخوف والقلق عن تهريب السلاح، حيث عثرت قوات الأمن على مخابئ تحتوي على أسلحة كانت في طريقها إلى تونس، وفي فبراير الماضي اشتبكت مع أشخاص يشتبه في أنهم من المتشددين الإسلاميين، وقتلت ثلاثة ممن يشتبه في أنهم مهربون، ويؤكد المسؤول في حزب النهضة الحاكم معاذ خديجي أن الجهاديين "يحاولون تهريب الأسلحة باستمرار ". ويخشى كثيرون من أن البنادق يتم تخزينها في الوقت الحاضر بهدف حمل السلاح في حالة أدت نتائج التصويت إلى فوز حكومة علمانية لاستلام السلطة. وقال أياري: "يقول الجهاديون إن بعضاً منهم لديه أسلحة، لكنها ليست لأغراض هجومية، إنهم يقولون: كنا في السجن في عهد بن علي. لكننا لن نقبل بذلك مرة ثانية أبداً".