«الوطن» تواصل رصد أفراح الشباب بعد الإفراج عنهم بقرار رئاسى

كتب: أحمد عصر

«الوطن» تواصل رصد أفراح الشباب بعد الإفراج عنهم بقرار رئاسى

«الوطن» تواصل رصد أفراح الشباب بعد الإفراج عنهم بقرار رئاسى

أصوات عالية لصيحات دلت على الفرح، تتبعها بعض الزغاريد المتواصلة واحدة تلو الأخرى، تظهر جلية كلما اقتربت قدماك من شارع العشرين بمنطقة عين شمس، ليظن الدانى أنه أحد الأفراح الشعبية التى ألفتها أسماع المصريين، وبعد أمتار قليلة تخطوها فى هذا الشارع المزدحم بالمارة، يجذبك على يسارك مصدر هذه الأصوات، خارجاً من إحدى الحوارى التى ضاقت على الموجودين بها لكثرتهم، لتجد دائرة من الرجال والشباب والأطفال فى مقدمة الحارة، وقد حملوا على أيديهم الشاب العشرينى «على زكى»، يرفعونه لأعلى وقد تعالت صيحاتهم «العريس أهو».

{long_qoute_2}

«أخويا كانت نفسيته وحشة جداً وحبينا نعمل له حاجة تفرحه قمنا عاملين له ليلة عشان يفرح، وإحنا وأهل الحتة وأصحابه كلهم يفرحوا معاه»، تقولها شقيقته «سهير زكى»، التى جلست فى دائرة أخرى من النساء والفتيات فى الجانب الآخر من الحارة، وقد ارتسمت على وجهها الأسمر ابتسامة لم تفارقها.

بصعوبة بالغة تخلص «على» من أيادى أصدقائه وإخوته ليتحدث عن تفاصيل الإفراج عنه، التى لم يكن يعرف عنها شيئاً سوى ليلة خروجه، قائلاً: «يوم الخميس كنا حاسين بحركة فى السجن على غير العادى بتاع كل يوم، وفعلاً بالليل نادوا على أسامى ناس كتير وأنا كنت واحد منهم، وقالوا لنا مبروك يا رجالة انتوا صدر ليكو قرار بالعفو الرئاسى وهتخرجوا إفراج بكرة، أنا سمعت الكلمتين دول وماكنتش مصدق نفسى، لأن المدة بتاعتى كان لسه فاضل فيها حولى 3 سنين، وقعدت طول الليل صاحى من كتر الفرحة لحد ما النهار طلع وخرجت من بوابة السجن وما كنتش مصدق نفسى إن أنا شايف الشمس وأنا بره سور السجن».

لم يكن يعلم «على» أنه سيجد أهله فى انتظاره أمام بوابة سجن طره، الذى قضى خلف أسواره قرابة عام وبضعة أشهر، ليفاجأ بهم يقطعون بعض الأمتار بينهم جرياً، ليمطروه وابلاً من الأحضان والقبلات اشتياقاً له: «ما اعرفش أهلى عرفوا إزاى إن أنا طالع إفراج، لأنى أول ما خرجت لقيت إخواتى كلهم واقفين مستنيين ومعاهم ناس كتير جداً من أصحابى، وبصراحة أنا ماعرفتش قيمة حياتى إلا لما دخلت السجن، واتعلمت جواه الصبر»، ليكمل ضاحكاً: «وكمان اتعلمت الدومينو»، مؤكداً أنه لن يضيع مزيداً من الوقت وإنما سيستكمل حياته مرة أخرى على وجه السرعة.

{left_qoute_2}

ويروى «على» تفاصيل قضيته واللحظات الأولى للقبض عليه قائلاً: «أنا اتقبض عليا يوم 18 أغسطس 2013، وخرجت بكفالة وبعد كده رحت حضرت جلسة الحكم فى شهر يناير 2015، وخدت حكم وقتها 4 سنين بتهمة كسر الحظر وحيازة سلاح بدون ترخيص، وللأسف أنا ما كنتش عامل حاجة من الحاجات ديه، ووقت ما اتقبض عليا كان فى مظاهرة عندنا فى الشارع، ولما حصل اشتباكات والشرطة بدأت تقبض على ناس منهم خدونى معاهم بالغلط لأنى كنت واقف قدام المحل بتاعى، بس الحمد لله ربنا كرمنى وخرجت مع الناس اللى الرئيس أصدر قرار بالعفو عنهم».

ولم تختلف فرحة «على» بالإفراج عنه، عن تلك الفرحة التى غمرت شقيقه الأكبر «سيد»، الذى يروى اللحظات الأولى لرؤية أخيه المفرج عنه عقب خروجه من بوابة السجن قائلاً: «أنا أول ما شفت على أخويا خارج من باب السجن كان هيغمى عليا من كتر الفرحة لولا مسكت نفسى بالعافية، وماحستش بنفسى إلا وأنا بقول يحيا السيسى اللى رجع لى أخويا تانى بأعلى صوت، لأن الإفراج عن أخويا قبل ميعاد خروجه بـ3 سنين كفيل إنه يخلينى أدعى للرئيس السيسى، وأقوله إحنا وراك بدمنا وروحنا وعيالنا وإخواتنا وكل ما نملك، وهنفضل معاه ومع البلد ديه لحد ما تقف على رجلها تانى، وكنت أتمنى ساعتها أشوفه عشان أبوس جزمته».

تبادرت إلى أسماع أسرة «على» قبل الإفراج عنه بيوم واحد أن هناك قائمة عفو رئاسى سيتم الإفراج عنهم خلال أيام قليله، وهو ما دفعهم إلى البحث عن أسماء هؤلاء المفرج عنهم، داعين الله أن يكون «على» واحداً منهم: «فضلنا طول اليوم ندور فى النت على أسامى الناس اللى خارجة لحد ما وصلنا لها ولقينا على واحد منهم، وقتها البيت كله بقى فرحان كأنه يوم عيد»، ليكمل «سيد» حديثه وقد امتلأت عيناه بالدموع: «على ده أبوه الله يرحمه سابه ليا حتة لحمة حمرة وأنا اللى ربيته وكبرته لحد ما بقى راجل، وباعتبره ابنى مش أخويا الصغير». ويقول «عصام أحمد» أحد أصدقاء «على»: «إحنا فضلنا صاحيين 48 ساعة عشان نشوف على ونفرح معاه، واليوم اللى خرج فيه الصبح جمعنا كل أصحابة وخدنا 3 ميكروباصات وكنا عند بوابة السجن الساعة 5 الفجر مستنيينه لحد ما خرج الساعة 9».

{long_qoute_1}

«ألف مبروك يا أبوكريم».. كلمات يلقيها كل من تقع عيناه على «خالد فتحى داود»، والد الشاب العشرينى «كريم»، الذى كان ضمن قائمة المفرج عنهم بالعفو الرئاسى صباح أمس، ولم يكد يمر والد الشاب، صاحب الخمسين عاماً، أمام أحد جيرانه، بمنطقة أطلس بحلوان، إلا وبادلوا بعضهم البعض التهانى على عودة الابن الذى غاب عن أهله ومنطقته لقرابة عام.

وداخل شقة متوسطة الحجم، وضع أهل الشاب فى صالة استقبالها، المواجهة لباب الدخول، بعض الكراسى البلاستيكية، يستقبلون عليها من جاء مهنِّئاً بعودة الشاب الذى اشتُهر بين أصدقائه بلقب «كريم وزة»: «ماكنتش مصدق أن ابنى ممكن يخرج مع الناس اللى هتخرج النهارده، رغم أنى كنت بادعى ربنا طول الليل إنه يكون منهم لما عرفنا أن فيه ناس هتخرج بعفو رئاسى»، كلمات قالها «خالد فتحى»، والد «كريم»، قبل أن يخرج الشاب من الغرفة على يسار صالة الاستقبال، بلحيته السوداء، ومنكبيه العريضين، وابتسامته الخفيفة التى لم تكن كافية لإخفاء ملامح الصدمة عن وجهه المائل إلى السمرة، ليتحدّث وقد تبدّت عليه آيات الثقة بالنفس رغم ما لاقاه خلال عام كامل خلف قضبان سجن وادى النطرون: «الصبح لقيتهم بيصحونى وبيقولوا لى عايزينك بسرعة، واستغربت أكتر لما لقيت الصول بيقول لى، ليك عندى خبر بمليون جنيه، انت إفراج، ومن الصدمة فضلت واقف باصص له وفاتح بقى، لحد ما هوا اللى قفلهولى، وكان كل تفكيرى فى زمايلى الباقيين، يا ترى هيخرجوا هما كمان، ولّا لأ».

خرج «كريم» ضمن قائمة المعفو عنهم، وقد تبقى من فترته عام كامل، وهو ما أربك حسابات الشاب، طالب كلية «تجارة إنجليزى» فى إحدى الجامعات الخاصة، ليُقرر أن يعود مرة أخرى إلى دراسته: «هاعتبر أن السنة دى سقطتها، وهاكمل دراستى تانى، بس كل اللى باتمناه أن الناس الباقية اللى ماخرجتش تخرج، وبالذات جميلة سراى الدين».

بعض التغييرات طرأت على «كريم» نتيجة هذا العام الذى قضاه بين أسوار سجن وادى النطرون، كان من أهمها نظرته إلى جماعة الإخوان المسلمين التى كوّنها من تعامله مع من كانوا معه منهم داخل السجن: «كرهت الإخوان أكتر بسبب السنة اللى قعدتها معاهم فى السجن، وعرفت إنهم ناس مايتعاشروش»، إلا أن ذلك لم يغيّر شيئاً فى شخصية عضو «الألتراس»، الذى أكد أن خروجه قبل عام من مدته لا يعنى أنه سيُغير من فكره الذى كان عليه قبل دخوله السجن: «رغم أننى خرجت فى العفو، بس ده مش هيمنعنى إنى أكمل مسيرتى فى إنى أحاول أصلح من البلد دى، ولو ماعرفتش هاخد شنطة هدومى وأمشى منها».

{left_qoute_1}

وعن تفاصيل القبض عليه، يرويها «كريم» قائلاً: «أنا من 2011 وأنا فى الميدان وماسبتش الميدان لحد ما اتقبض عليا، رغم أن أنا اتقبض عليا فى الشارع عادى جداً مش فى مظاهرة ولا حاجة، ساعتها كنت أنا وزميل ليا فى زيارة لبيت الشهيد «جابر جيكا» الله يرحمه، وإحنا نازلين قابلنا ظابط وأمين شرطة، أخدوا مننا بطايقنا وأخدونا عند مكان قريب من قصر عابدين وفتشونا، وساعتها جه واحنا واقفين مدير أمن القاهرة، قام الظابط شاور له عليا وقال له هو ده يا باشا الواد اللى كان لابس الكاب الأسود ورمى علينا الطوبة عند وزارة الداخلية فى 2012، بس، ومنها على مباحث عابدين، والأحداث فضلت تيجى ورا بعضها، لحد ما أخدت أنا وزميلى حكم بسنتين»، ليُكمل بلهجته التى دلّت على ثوريته: «أنا اتقبض عليا فى الذكرى الرابعة لأحداث محمد محمود وخرجت فى الذكرى الخامسة».

كان وقع صدمة الفرح الأكبر من نصيب والدة «كريم»، التى استقبلت الخبر عن طريق مكالمة هاتفية للشاب المفرج عنه: «النهارده الصبح التليفون رن وكان رقم غريب، ولما حازم أخو كريم رد، لقيته بيقول لى ده كريم يا ماما، استغربت جداً، لأنه قليل لما بيكلمنا، فأخدت التليفون من حازم، وكلمت كريم، لقيته بيقول لى انتو عاملين أكل إيه النهارده علشان أنا جاى، ماكنتش حاسة بنفسى من الصدمة، وفضلت مش مصدقة لحد ما لقيته داخل عليا الشقة»، كلمات قالتها والدة «كريم» التى لم تتخطَ عقدها الرابع بعد، وقد اتّشحت بعباءة سوداء اللون، وخالط وجهها شىء من الصدمة الممزوجة بفرح عودة الابن المفقود.

كانت تجربة «كريم» أقسى ما تكون على والديه اللذين لم يتوقعا يوماً أن يكون ولدهما الأكبر حبيس جدران أحد السجون، يقول الوالد: «ماكنتش أعرف أن ابنى ليه فى الكلام ده خالص، واتفاجئت لما اتقبض عليه وهو بيكلمنى من النيابة، بس أنا اتفقت معاه بعد ما خرج بالسلامة إنه خلاص هيركز فى دراسته وشغله، ومالناش دعوة بأى حاجة تانى».


مواضيع متعلقة