التهم الجاهزة للمخالفين: الإلحاد وإنكار الحجاب والتصريح لوسائل الإعلام

كتب: سعيد حجازى وعبدالوهاب عيسى

التهم الجاهزة للمخالفين: الإلحاد وإنكار الحجاب والتصريح لوسائل الإعلام

التهم الجاهزة للمخالفين: الإلحاد وإنكار الحجاب والتصريح لوسائل الإعلام

شنت مشيخة الأزهر حروباً شعواء ضد كل من يخالفها الرأى، فحوّلت العديد من الأساتذة بالجامعة للتحقيق بتهم مختلفة تثير الريبة فى كونها انتقامية بغرض التشهير والحط من قدر هؤلاء العلماء من فرط غرابتها، ما أعاد للأذهان «محاكم التفتيش» التى كان الغرض منها التنكيل بالمخالفين. آخر تلك الحروب كانت مع الدكتور يسرى جعفر، أستاذ العقيدة والفلسفة بكلية أصول الدين جامعة الأزهر فرع القاهرة، وأحد أبرز الناقدين لسياسات القيادات الحاليين، حيث اتهمته المشيخة بالإلحاد ومحاولة نشر أفكار إلحادية بين الطلاب، ومحاولة إحياء فكر «محمد عبده وطه حسين»، والهجوم على التيار الإسلامى، ووصفه بالتيار الظلامى، وحوّلته للتحقيق.

{long_qoute_1}

وقد كانت هناك واقعة أخرى مع الدكتور أحمد كريمة، أستاذ الفقه المقارن بكلية الشريعة والقانون، الذى تم تحويله للتحقيق، ورغم الفشل فى توقيع عقوبات عليه لمرتين، أحالته المشيخة للتحقيق للمرة الثالثة نهاية الشهر الماضى، حيث يجرى التحقيق على يد الدكتور حامد أبوطالب، عميد كلية الشريعة والقانون الأسبق وعضو مجمع البحوث الإسلامية، بتهم مخالفة المشيخة فى رؤى كثيرة منها تجديد الخطاب الدينى، ونشر أفكار لا تمت للفكر الأزهرى، والحديث للإعلام دون الحصول على موافقة من المشيخة.

ويعتبر الدكتور أحمد كريمة أن المشيخة تمارس الإرهاب الفكرى بالتحويل للتحقيق وماضية فى سياسات تكميم الأفواه. وهو يقول لـ«الوطن»: تمت إحالتى للتحقيق للمرة الثالثة بتهمة التصريح لوسائل الإعلام عن بطء تجديد الخطاب الدينى والتقاعس عن التجاوب مع دعوة رئيس الجمهورية للتجديد، وهى تهمة مُدّعاة ومفتراة، وقد كلفوا الدكتور حامد أبوطالب، المعروف عنه تشدده مع مخالفى المشيخة، بالتحقيق معى، وهو ما يوضح أن هناك نية مبيتة لإنزال أقسى عقوبة علىّ لتخويفى وتخويف الآخرين.

{long_qoute_2}

وأوضح «كريمة»، فى تظلمه الذى قدمه لـ«الوطن»: أتعرض لمظالم متنوعة متعددة تنوء بأحمالها الجبال وأتحلى قدر طاقتى البشرية بالصبر، ما يبعث على استصراخ أهل النخوة والمروءة مساهمة فى دفع بلاء ونصرة مظلوم، وقد عرضت على شيخ الأزهر باليد وبالبريد رؤى علمية للعملية التعليمية التخصصية ومقترحات للخطاب الدينى المعاصر ومقترح إنشاء قناة فضائية تخصصية، ولم تُبد مشيخة الأزهر اهتماماً ولا تجاوباً ولا رداً، وساهمت فى جلسات «منطلقات الخطاب الدينى» وعرضت رؤية وجيزة لكن ردة فعل شيخ الأزهر كانت كسابقتها، وحينما قمت بأخلاقيات أهل العلم الشرعى بنقد مباح غيرة على جودة الأداء المؤسسى فعلوا بى ما فعلوا ويفعلون.

وأكد «كريمة» أن إحالته للتحقيق عدة مرات كانت بإيعاز من مشيخة الأزهر لرئيس جامعة الأزهر، على خلاف لوائح استقلال جامعة الأزهر عن مشيخة الأزهر بناء على عضويتها بالمجلس الأعلى للجامعات ورابطة الجامعات الإسلامية، وأشار إلى أن «التحقيقات حُفظت مرتين لعدم وجود أدلة إدانة، وحالياً تتجدد التحقيقات بعد أن قامت الجامعة بالتشهير بى ببث قرار إيقافى التعسفى ثلاثة أشهر بدعوى السفر خارج البلاد دون إذن المؤسسة، وحصلت على البراءة لثبوت تقدمى بطلب الإجازة، أعقبها بيان من جامعة الأزهر صدر ضدى بعبارات لا تليق من جامعة إسلامية عريقة ضد عالم واتهامه بالآراء الشاردة وأنها لا تمثل الأزهر دون تثبت فى تداول تلفيقات كاذبة، ورغم النفى المرسل لشيخ الأزهر وجامعة الأزهر ووكيل المشيخة فإن الدكتور عباس شومان شهّر بى فى الصحف السعودية».

وتابع: «لقد تم تجميد ترقيتى إلى درجة أستاذ للفقه المقارن خمس سنوات على خلاف كل اللوائح والإفراج عن الترقية قبل إحالتى للتقاعد الوظيفى فى 2011، للحيلولة دون الاستفادة من خبراتى وأنشطتى الدعوية، كما رُفض طلبى منحى إجازة تفرغ علمى لعمل أبحاث فى مجالات العنف الفكرى والتكفير وإراقة الدماء».

وإلى جانب الدكتور كريمة، كانت هناك حالات أخرى، من بينها الدكتور عبدالفتاح محمود إدريس، أستاذ الفقه المقارن بكلية الشريعة والقانون، الذى انتقد المشيخة وطريقتها فى إدارة الأمور، وفى اليوم التالى وجد تهمة السرقة العلمية فى انتظاره وكذلك الإحالة للتحقيق ثم الفصل من الجامعة. يقول الدكتور عبدالفتاح إدريس لـ«الوطن»: «فصلتنى الجامعة بدعوى السرقة العلمية، وهو ما لا يصح لمجرد مخالفتى فى الرأى لهم، وقد أقمت دعوى قضائية ضد شيخ الأزهر ورئيس الجامعة بعد هذه الاتهامات وفور وصول إخطار الدعوى قامت قيادات الأزهر بالرد عليها عبر تشويهى والتشهير بى، ونسبت إلىّ أموراً للانتقام منى بسبب ذلك».

وأضاف «إدريس»: «لم يعد يعنينى أى أمر يتعلق بالأزهر، ولست حريصاً على الانتساب له بسبب التفرقة التى تحدث بين أعضاء هيئة التدريس وفقاً للأمزجة والشللية، وهو ما رفضته واعترضت عليه، وكانت النتيجة إبعادى من الجامعة، كما أحالنى شيخ الأزهر للتحقيق لدى النيابة الإدارية مع أنه ليس له ولاية ولا اختصاص بإحالة عضو هيئة تدريس بالجامعة إلى أى جهة تحقيق، وهو ما دعانى لإقامة دعوى ضد الشيخ ورئيس الجامعة». والتحقيقات مع الأزهريين ليست وليدة اليوم، ففيما مضى كان هناك أحمد صبحى منصور، الذى كان يعمل مدرساً فى جامعة الأزهر، لكنه فُصل فى الثمانينات بسبب إنكاره للسنة النبوية القولية، وتأسيسه المنهج القرآنى الذى يكتفى بالقرآن مصدراً وحيداً للتشريع الإسلامى، فتم التحقيق معه وتم فصله.

علماء أزهريون آخرون لم يتم التحقيق معهم بل نالتهم نيران لجان الأزهر وقياداتها، ومن بينهم الدكتور سعد الدين هلالى، أستاذ الفقه المقارن، حيث انتقدته قيادات أزهرية كبيرة مثل الدكتور عباس شومان وكيل الأزهر، والدكتور محمود مهنا، عضو هيئة كبار العلماء، الذى طالب بفتح تحقيق معه فى مجمع البحوث الإسلامية التابع للمشيخة، بسبب تصريحاته عن الحجاب.

كما تم اتهام الدكتورة آمنة نصير، عضو مجلس النواب وعميدة كلية الدراسات الإسلامية السابقة، بمخالفتها رؤية المشيخة وطالبت وسائل الإعلام بمنعها من الظهور باسم الأزهر. وقالت «نصير» لـ«الوطن»: «أنا ممتلئة بالحزن بسبب هذا الطريق الشائك الذى يسلكه بعض قيادات الأزهر، فقد بعدت عنهم الحكمة والنظرة المستقبلية واحترام الرأى العام ونظرته لأساتذة الأزهر بكل أسف». وختمت نصير حديثها بالقول: «أشعر بمرارة شديدة من هذا التوجه ولا بارك الله لمن يسيرون فيه، فهم يأخذون رجال الجامعة إلى ما لا يليق بهم، وهناك عدد من القيادات بالمشيخة والجامعة لا بارك الله لهم لأنهم رجال سوء».

وقال حسين القاضى، الباحث فى شئون الحركات الإسلامية والأزهر، لـ«الوطن»: تجديد الخطاب الدينى ليس قوافل وندوات تجوب القرى والمراكز، بل فلسفة وتصور جماعى يجتمع له المتخصصون فتتحول مثلاً فلسفة التعليم إلى إبداع وفكر ومعرفة، لكن القيادات الحالية لا تنظر للتنوير بل ترى مبادرات التجديد عبارة عن مؤتمرات وندوات، وكلها تتم دون وجود رؤية مسبقة ومتقنة وبالتالى تحولت إلى عمل عشوائى.

واعتبرت الكاتبة الصحفية لميس جابر أن مشكلة الأزهر هى «الصف الثانى»، مضيفة لـ«الوطن»: «قيادة الأزهر ممثلة فى الدكتور أحمد الطيب غاية فى الوسطية والتنوير، لكن الفرق بينه وبين الصف الثانى شاسع».

وفى المقابل، قال الدكتور محمود مهنا، عضو هيئة كبار علماء الأزهر، إن الهجوم مرفوض ويأتى فى ظل الحملة الشرسة على الأزهر الشريف، مضيفاً لـ«الوطن»: «لا يوجد بالأزهر محاكم تفتيش وكل العلماء والأستاذة يبدون آراءهم كفيما شاءوا، ولا يوجد أحد متشدد فى المشيخة، فكلنا نحمل فكر الإسلام الوسطى السمح، والتحقيقات تأتى فى إطار أعمال إدارية أو أمور أخرى والأزهر من حقه تنظيم أموره». وتابع: «الأزهر يسير على قدم وساق فى تجديد الخطاب الدينى، والعلماء يقولون كلمة الحق وينشرونها للناس، فمن آمن آمن، ومن لم يؤمن فلا أحد مسئول عنه.


مواضيع متعلقة