الكبار فى النوبة: خدونا من الدار للنار.. من الجنة للصحراء

كتب: محمد غالب وإنجى الطوخى

الكبار فى النوبة: خدونا من الدار للنار.. من الجنة للصحراء

الكبار فى النوبة: خدونا من الدار للنار.. من الجنة للصحراء

كان يوماً حزيناً، لا يُنسى، يوم الخروج من الجنة إلى الصحراء، حينها ماتت الروح فى النوبة القديمة، دفنوها والدموع تنهمر من عيونهم، مشهد قاسٍ لم يؤثر على قلوبهم الطيبة، ارتدى المهاجرون اللون الأسود، الذى تلاقى مع سواد الليل فى يوم الرحيل، رحلة يعلمون بدايتها، لكنهم لا يعلمون نهايتها.

{long_qoute_1}

شاء القدر وهم فى يوم التهجير أن تموت «الجدة» أكبر عائلة «عبدالوارث حسين»، كبر سنها ومرضها جعلاها لا تتحمل آلام المرض ولا آلام الفراق، حينها كان «عبدالوارث» يبلغ من العمر 16 عاماً، تمر المشاهد أمامه وكأنها شريط سينمائى حزين، لا ينسى مشاهده، بدأ بجمع معظم ما يملكون، شارك فى ذلك الكبار والصغار، النساء والرجال، مروراً بنظرات الوداع لأرضهم الأم، ثم دفن جثة جدتهم، والدموع تنهمر من الجميع، تركوا قطعة منهم مدفونة، كما تركوا الأرض مهجورة.

تلقوا العزاء فى النوبة الجديدة، بعد التهجير، حرص الأهالى على القيام بواجب العزاء، على الرغم من طول اليوم وتعبه وحزنه: «فاكر اليوم زى النهارده، عارف يعنى إيه ستك تموت فى البلد القديمة، كانت كبيرة وعيانة، وزى ما تقول قالت مش هطلع من بلدى، هندفن هنا، وبعدها أخدنا العزاء فى البلد الجديدة، فى نفس اليوم». {left_qoute_1}

تركت أسرة «عبدالوارث» أيضاً 33 نخلة يملكها والده، وبيتاً به 10 غرف، إلى بيت مكون من غرفتين فقط بالمكان الجديد، يتذكر «عبدالوارث»، كل ذلك ثم يردد: «كان غصب عننا لازم نمشى، سبنا أرضنا وضحينا عشان خاطر السد العالى، وتلقينا وعوداً بالرجوع لأرضنا بعد 10 سنوات، صبرنا السنوات، مات من مات وعاش من عاش، ومرت السنين والوضع كما هو عليه».

«صنادل البحر» كانت الوسيلة التى نقلوا عليها العفش، الأجهزة، حتى بيبان البيوت، لتنقل إلى الجهة الأخرى بجبل «السلسلة»، وكانت المفاجأة فى انتظارهم، حشرات، عقارب ثعابين، ولكن قاومها الأهالى للقدرة على العيش فى المكان الجديد: «والحكومة سلمتنا البيوت على الطوب، إحنا اللى طورنا، رب المنزل يلاقى أوضتين مش مكفيين فيعمل أوضتين فوق، وفعلاً أنا عملت كده لولادى، إحنا اللى ساعدنا بعض، ده احنا ماكناش نعرف أمراض القلب ولا الكلى ولا أى مرض، لكن لما رحنا المكان الجديد عرفنا الموت، نسمع اللى مات محروق واللى عقرب قرصه مات».

مرت الأيام وتنقّل «عبدالوارث» إلى أكثر من مكان، حتى أولاده مواليد القاهرة والسعودية والكويت. التنقل والفراق هو النصيب الذى لم يفارق أهالى النوبة، ومع ذلك فراق المكان لم يؤثر على ترابط العلاقات: «كل اللى ساب النوبة الجديدة له بيت هناك، يبقى عنده حنين يروح كل شوية، أنا احب اروح فى الشتاء، كل حاجة حلوة هناك، الأهالى، المناخ الحلو، لما اروح باحس بالراحة، جو نضافة وصدق، شريط حياتى بيعدى من قدامى».

47 قرية تجمعها النوبة الجديدة من إدفو حتى الرغامة، ومع ذلك يعيشون على حكايات جدودهم عن النوبة القديمة، يحكون عن الظلم الذى يقع عليهم، حتى الظلم إعلامياً، ودرامياً، ويتساءلون: «ليه دايماً بيطلعونا بوابين؟»، ثم يقولون بفخر: «ده إحنا أصل مصر»، وكل ما يرجونه هو الاهتمام بالنوبيين الضعفاء بحسب قولهم، الاهتمام بحقوقهم وتاريخهم.

أما حسن عوض عبدالمجيد، فيفخر بأن أهالى النوبة بالرغم من كل ما يتعرضون له، ما زالوا يحتفظون بتراثهم، بالزى النوبى فى بيوتهم، بشرائط الأغانى النوبية، يسمع «حسن» كلاً من «عبده ميرغنى، حسن عثمان جوزلى، حسين بشير، على جوبار، أحمد منيب، محمد منير، وحمزة علاء الدين»، ثم يحكى عن «العيش الدوكة»، ويفخر بأن كل جيل يحرص على تعليم أولاده اللهجة النوبية، إجبارياً أو اختيارياً، كما أنهم ما زالوا حريصين على تعليم الأطفال احترام الكبير والصغير معاً، صلة للرحم، واعتزازاً بالأرض ومطالبة بالحق، ويحكى عن الكرم: «جدى كان عنده مرسى وعامل ضليلة، أهل البلد فى النوبة القديمة كانوا يقعدوا عنده، الكرم موجود عندنا، والباب مفتوح 24 ساعة مايتقفلش».

على الرغم من شعورهم بالظلم فإن «عوض» يحكى أنهم يعلمون الأولاد أن أخذ الحق بالعقل وليس العنف، ثم يردد: «إحنا مانعرفش عنف»، وعن الظلم يحكى: «اتعرضنا للظلم كتير، ده فيه ناس ماخدوش بيوت لحد دلوقتى، وناس أخدت بيوت تعبانة بعد ما كانت بيوتهم بحوش واسع كبير».

أما عن وضعهم الحالى، فيحكى أنه «لا حوش واسع ولا منزل كبير»، ويردد: «اعطفوا علينا شوية، ده مفيش مدارس كويسة، مفيش صحة، وممكن ماتلاقيش دكتور فى المستوصف، مفيش تليفزيون يصورنا، ومفيش رياضة، مرة لفينا البلد كلها على مستوصف فيه دكتور عشان مريضة، لفينا 6 قرى عشان نلاقى دكتور».

فى وقت الحزن يغنى، ومع التعرض للظلم، فالغناء هو سلاح عم «عوض»: «الغنا عندنا عادى فى كل وأى وقت، نحبه ونحب المرح، هى طبيعتنا كده، ومانخفش».

كان بيتاً كبيراً، وأمامه حوش واسع، الخضرة تملأ المكان، حياة وكأنها جنة، الخيرات تعم، خير كبير من ماشية وثروة سمكية، وكان يزين كل ذلك نهر النيل الذى تعلقوا به، كان عم جمعة بشير يتذكر كل ذلك، والذى تغير فى غمضة عين، لتتحول البيوت إلى بيوت بدائية، فى منطقة جبلية صحراوية صغيرة.

اليوم الفارق والفاصل بين خضرة الزرع ورمل الصحراء يحكى عنه «جمعة» عن نقل العفش والحيوانات للنوبة الجديدة عن طريق البواخر، حينها كان يمسك الرجال والنساء اللمبات الشمع أثناء الطريق. يحكى عن الوعود التى تلقوها: «قالوا هتاخدوا بيوت وفدادين وتعيشوا مبسوطين، لقينا مفيش، قالوا هترجعوا تانى ولقينا مفيش، والأرض دلوقتى لا تصلح للبناء، تتشقق، الأرض وحشة، لكن من زمان أهالينا قعدوا وقت كنا صغيرين، كانوا هيروحوا فين بقى؟ ما الحكومة قالت دى بيوتكم».

أما محمود أحمد محمود، فكان يشعل السيجارة وهو جالس على مقهى بشارع فيصل، وعلى الرغم من عمره الكبير الذى تخطى الـ75 عاماً، فإنه يحرص على التدخين، يشعلها له الجالسون بجانبه، يضحك ثم يردد: «أيوه كده الحكاية ماتحلاش إلا مع السيجارة».

فى البداية يحكى عن مولده فى بلاد النوبة، ودراسته فى مدرسة «جورتا الابتدائية»، ثم يحكى للجيران من حوله: «نفسى أعيش هناك، حيث الهدوء والأمان، وترابط الأسر مع بعضينا، عكس هنا، هناك ناكل عند بعض وكأننا بيت واحد، نفسى أعيش هناك بس فى أراضينا القديمة اللى هجّرونا منها».

يسأله أحدهم عن التهجير الذى عاش أيامه، فيرد: «عملولنا البحر طحينة، يقولولنا انتم إيه، ومش عارف ايه، وضحكوا علينا، رُحنا نزلنا المكان الجديد لقينا جبال عالية واحنا تحتيها»، يصمت «محمود» قليلاً، ثم يردد بصوت مرتفع: «ما حد يدينى سيجارة، عشان اكمل، لحسن العملية إيه عايزة مخمخة»، فيسرع من حوله بتسليمه سيجارة أخرى، فيردد «حد يولعهالى».

يحكى عن الظلم الذى شعر به، وعن المعاناة التى عاناها وهو شاب حينها: «دى البهايم كانت بتموت من قلة الأكل، بنى آدمين حشرات وتعابين وعقارب تموتهم، يا راجل لحد النهارده، فيه ترعة ماشية، بتسقى الزرع، بتيجى عربيات جنب الشارع، العريبات تخش تنزل الناس تموت، مش عارفين يعملولها سور، ديه لامؤاخذة زرايبب مش تهجير».

يسأله أحدهم: «كانت صحراء؟»، فيرد: «دى زرايب، يا ريت كانت صحراء، لا بيوت ولا أراضى ولا أى حاجة، وحشرات وتعابين، هنعمل إيه؟ الحزن كان كبير». ثم يحكى بعدها ويعدد الظلم الذى تعرضوا له عبر السنين: «اتعرضنا للظلم أول حاجة بعد تعلية خزان أسوان، هجّرونا، طلّعونا فوق، ومع الوقت بنينا بيوت بنفسنا، وعمّرنا الأراضى، وهجرة السد العالى، اللى لحد دلوقتى الناس بتموت وتتشرد وتعالى يا هجرة».

أولاده هجّرهم عن النوبة، يقتطعون الزيارات كل عدة أشهر، وهى عادة معظم الشباب الذى ترك الأراضى النوبية: «الشباب النوبى كتير منه بيمشى وبيتحسر من حكايتنا عنهم، أنا بتحسر أكتر، لأنه ماشفش اللى أنا شفته، بس بيسمع منى، يا راجل الخيرات كانت موجودة، ده حتى الدكاترة البواخر كانت تيجى تقف قدام القرية والعيان يكشف ومايدفعش فلوس».

يطلب سيجارة أخرى ثم يحكى عن خيرات الثروة السمكية، فعندما كان يمر الفقير من أمام من يصطاد، يطلب منهم بعض السمك، فيعطونه من أفضل ما يكون، مقابل بعض الشاى والسكر.

الظلم عرضهم للتشريد، يتحسرون على النوبة القديمة: «لو ماكنش حصل كده، كان زمانها بقيت جنة»، كانت كلمات «محمود»، ثم يحكى عن أمنيته بالرجوع، على الرغم من كبر سنه، لكن أمل موجود، يحلم ببناء بيوت على التراث القديم، يحلم بالخضار والعمار والخير والأرض.


مواضيع متعلقة