والله العظيم عايز أتوب

كتب: خالد فهمي

والله العظيم عايز أتوب

والله العظيم عايز أتوب

كأنه عابر.. ينتمى إلى عالم آخر.. يقف «سفندر» فاردا طوله، وصدره فى وجه المخاطر، بالقرب من الكوبرى الخشب فى منطقة بولاق الدكرور، يحتمى هو وتجارته «الممنوعة»، بأقفاص الفاكهة.. حيلة يدرك جيدا أنها «خائبة»: «بس لازم أعمل كده.. يعنى أبيع الحشيش كده عينى عينك» ويضحك كاشفا عن أسنان غير منتظمة مصبوغة بصفرة قاتمة: «أنا بابيعه برده عينى عينك.. بس عشان ماحرجش بتوع المباحث.. أنا كده كده مش من هنا أنا دنيتى فى السجن..». «أو يسيبونى أتوب..» يتبدل حال سفندر تماما عند هذه الجملة «كفاية بقى أنا عمرى 44 سنة قضيت منهم 25 سنة فى السجن.. عايز أتوب وأمشى مش جنب الحيط لا.. جوه الحيط». لا يحتاج «سفندر»، أشهر تاجر مخدرات فى بولاق الدكرور، إلى تعريف، ورغم ذلك لا يمل من سرد سيرته الذاتية التى يرى فيها دليلا على كونه مجنياً عليه وليس جانياً، يقول إن اسمه محمد أحمد محمد قاسم سفندر (44 سنة) مسجل خطر مخدرات لديه 3 أبناء هالة (18 سنة) وهدير (14 سنة) وأحمد (11 سنة). فى صغره كان يعيش مع والديه حياة مستقرة وعندما بلغ 13 عاما انفصل والده عن والدته، وعاش هو وأشقاؤه هالة وفؤاد وسيد مع والده بعد زواج والدته من آخر، وبعد 6 أشهر توفى شقيقه «سيد» فترك المدرسة وعمل فى ورشة لإصلاح السيارات «ولعبت البلية وجريت الفلوس فى إيدى» على حد تعبيره، فأقدم على تعاطى الحشيش، وفى أحد الأيام وبعد انتهاء عمله اشترى قطعة حشيش وكان يقف فى الشارع، فتم القبض عليه، وسجن لمدة عام. فى السجن أتقن كل أنواع الإجرام، وبمجرد خروجه ذهب إلى تاجر حشيش بالمنطقة وعمل لديه كصبى من صبيانه، وفى ظرف عامين كان قد تزوج، واحترف بيع المخدرات وخاصة الحشيش «لأن المكسب كان عالى» وكل يوم كان يقتسم حصيلة البيع مع أمناء القسم، حتى يتركوه يعمل فى أمان. «مليت وزهقت من عيشتى الحرام» يتحدث سفندر عن إحدى نقاط التحول فى حياته ويقول إنه قرر أن يتوب ويعمل سائقا على تاكسى لكى يعيش وسط أسرته، ولكن ضابط المباحث قبض عليه واتهمه فى 11 قضية سرقة سيارات، وحكم عليه بالسجن 28 شهراً، وأثناء وجوده بالسجن قامت زوجته بخلعه وعندما خرج وجدها أنجبت أحمد الطفل الأخير، فقرر الرجوع إلى تجارة الحشيش مرة أخرى لأنه وجد أن الحكومة لا تقبل التوبة ولا تعترف بها. «قررت أرجع تانى للحشيش وأتسجن بقى فى حاجة تستاهل» وقام بتوسيع نشاطه ودخل عالم السرقة بالإكراه لكى يجنى أموالا كثيرة فى خبطة واحدة، فطلب من والدته أن تقيم معه فى الحجرة التى يعيش فيها مع أولاده، لكى ترعى معه الأولاد، فوافقت، وترك هو المنطقة وقرر أن يعمل خارجها لكى يبعد عن أعين المباحث، ولكن سمع بدخول والدته المستشفى وإصابتها بمرض السكر لاقتحام ضابط المباحث حجرته بعد منتصف الليل وكسر باب الحجرة عليها، فقرر أن يقوم بشىء إجرامى يوفر له أمولا كثيرة لكى يترك المنطقة، فذهب إلى الجبل واشترى بندقية آليه بـ3 آلاف جنيه وذلك فى عام 2005 ونزل المنطقة، وقرر أن يشترى ملابس العيد لأبنائه ويقضى معهم العيد ثم يفكر فى ارتكاب جريمة قوية -على حد قوله- لكى يوفر لهم حياه كريمة، ولكن أثناء وجوده فى الشارع مع ابنته الكبرى لشراء الملابس قاموا بضربه أمامها والقبض عليه ومن وقتها أصيبت ابنته بمرض نفسى، وقرر أن يعمل فى تجارة المخدرات مرة أخرى، إلى أن يجد واقعة سرقة أو سطو مسلح، تعتبر خبطة العمر. كان يقف على الكوبرى الخشب ويبيع المخدرات وأمامه بعض أقفاص من الفاكهة للتمويه، ولكى يجد مبررا لوجوده على الكوبرى الخشب حتى ضحكت له الحياة مرة أخرى، وخاصة بعد أن وافق أمناء ومخبرو قسم شرطة بولاق الدكرور له ببيع المخدرات وشاركوه فى المكسب، ورفعوا الإتاوة، وبعد فترة رفض دفع أى مبالغ مالية للقسم، وحضر رئيس مباحث جديد للقسم وفى أول ليلة له كسر عليه باب غرفته وأخذه إلى القسم واتهمه فى 18 قضية سرقة بخلاف قضية بندقية آلية وسرقة بوكس الشرطة وحكم عليه بالسجن 11 عاما. وفى 20 يناير 2011 وقبل الثورة بـ5 أيام خرج من السجن بعد انتهاء مدة حبسه، لإنهاء إجراءات الإفراج عنه، وبمجرد أن شاهده رئيس المباحث طلب حصر كل قضايا السرقات فى المنطقة لكى يلفقها له ورفض خروجه حتى بعد قرار الإفراج عنه من النيابة العامة، وأثناء وجوده حدثت الثورة وخرج مع من خرج من الأقسام ولكن على حق ودون هروب، فاعتقد أن الثورة سوف تساعده فى التوبة، وخاصة أن نظام مبارك الذى جعل منه مجرما قد سقط، ولكن وجد الوضع يزداد سوءا فذهب إلى صيدلى بمنطقة العمرانية وتعامل معه فى شراء كوتة المخدرات الخاصة بالصيدلية وظل على هذا الحال لعدة أشهر وكان يشترى شريط الترامادول جملة بـ9 جنيهات وكان يبيعه بـ25 جنيهاً، وفى أثناء عودته بالبضاعة من العمرانية ليلا تم القبض عليه، وحكم عليه بالسجن عاما، ولما خرج وجد ابنته التى لم يشاهدها منذ 2005 قد كبرت وأصبحت عروسة وأخبرته بأن العرسان يرفضون الزواج منها نظرا لسوابق والدها فطلبت منه التوبة، وشعر وقتها بالمسئولية، فقرر التوبة، وعمل فى مقهى بأجره 20 جنيها فى اليوم، ثم ذهب إلى القسم وطلب من ضابط المباحث أن يساعده فى التوبة، ولكن كان الرد مثل الرد قبل الثورة: «لما انت تتوب إحنا نشتغل إيه؟». «طلبت التوبة من أجل أبنائى ولا أريد أن أدخل السجن مرة أخرى»، هكذا يعلن «سفندر» عن آخر أمنياته، «وأريد عملا شريفا يساعدنى على تجهيزهم بالحلال، وخاصة أن الأيام القادمة سوف تشهد ظلما كثيرا، لأن الشرطة لن تسامح الشعب فيما حدث لها، وسوف تبدأ بالمسجلين الذين لا كرامة لهم، فهم من كتبوا شهادة ضياعى وانحرافى وهم الآن يرفضون توبتى، على الرغم من أن ربنا فاتح باب التوبة للجميع، أريد التوبة أو الانتحار حتى لا أصبح عارا على أبنائى».