فى أعقاب الثورة، وبعد أن هتف الجميع: «ارفع راسك فوق إنت مصرى»، ارتفع سقف الخيال الجمعى، وتصور الناس وهم يهللون ويرقصون فى الميدان بمناسبة تنحى مبارك أن الرئيس القادم ومؤسسته سوف يكونان الأقوى والأشد.. مؤسسة بحجم القوة التى خرج بها الهتاف الشهير وبحجم الأعناق التى اشرأبت فى الميدان تتمايل فى سعادة وتختال فى كبرياء.. لكن جاءت الرياح بما لم تشتهِ السفن، وأصبحت مؤسسة الرئاسة التى يفترض أنها مصدر القرارات والأفعال مصدراً لـ«الأسف والألم والاستياء»، التى يتم إبداؤها إزاء الأحداث الكبرى.
عقب تولى الرئيس محمد مرسى ارتفعت التوقعات وودع الجميع الأسباب التى تقوم لأجلها الثورات، لكن بدا أن هذا غير صحيح، ففى شهر أغسطس من العام الماضى، وبعد أسابيع قليلة من تولى الرئيس محمد مرسى الرئاسة، سارع مواطن إلى إشعال النار فى نفسه، بعدما تم فصله تعسفياً عن العمل، وهو السبب ذاته الذى اشتعلت بسببه ثورة تونس، الأمر الذى دعا المتابعين إلى رفع سقف تخيلاتهم فى كيفية استجابة الرئاسة للحادث، وهى الاستجابة التى لم تتأخر كثيراً، حيث خرج الدكتور ياسر على، المتحدث باسم الرئاسة وقتها، ليعلن موقف الرئاسة ورد فعلها قائلاً: «نعرب عن أسف الرئاسة للحدث».
تأسفت الرئاسة أسفاً كبيراً، لكنه لم يكن كافياً لإعادة الرجل إلى عمله، أو علاجه فى مشفى جيد، أو حتى تنفيذ حكم المحكمة الذى حصل عليه المواطن وقضى بعودته إلى عمله فى شركة الكهرباء، البعض برر الأسف وقال إنه وسيلة ماكرة من الرئاسة لمعالجة الأمور لن يتم فهم أثرها إلا مستقبلاً.. هكذا هدأ الأمر لكن الأحداث لم تهدأ أبداً.
من جانبها، حسنت الرئاسة من ردود الأفعال، وبدلاً من الإعراب عن الأسف، خرجت فى أعقاب الأحداث التى نشبت فى ميدان التحرير خلال شهر أكتوبر من العام الماضى لتؤكد «استياءها» من الأحداث، البعض حاول تفسير ما الذى يترتب على الاستياء لكن دون جدوى، استاءت الرئاسة ومرت الأحداث ولم يسمع بها أحد مرة أخرى.
بدأت الصورة تتضح مع تكرار الرئيس محمد مرسى خلال خطاباته لمعنى «الحب» داعياً الجميع بجملته الشهيرة: «حبوا بعض.. احضنوا بعض»، ليتأكد للمصريين أن ردود أفعال الرئاسة ما هى إلا عواطف جياشة «تتفجر مع كل حد»، لتوضح كم الحب والعشق الذى تظلل به المؤسسة كل المصريين، ظهر هذا بجلاء حين أعلنت الرئاسة فى أعقاب كارثة إعصار ساندى «مواساتها» لضحايا إعصار ساندى الذى حدث خلال شهر أكتوبر من العام الماضى.
حين شاهد الناس كارثة سحل المواطن حمادة صابر، تأكد الجميع من أن الرئاسة المصرية لن تقبل بهذا، وأنه إذا كانت الكثير من الأمور قد مرت مرور الكرام، فهذه لن تمر بسهولة، وبالفعل قامت الرئاسة التى أعربت من قبل عن أسفها وعن استيائها ومواساتها، خرجت فى تلك المرة ولأول مرة من تاريخ تولى الرئيس مرسى لتعرب عن «ألمها»، الأمر الذى دفع حمادة إلى رفع علامة «الصح» بعدما تألمت المؤسسة الكبرى لأجله. وفى السياق نفسه، أعلنت عما أسمته «تضامنها» مع ضحايا قطار البدرشين وضحايا عمارة المعمورة فى نفس واحد.. ضاربة بذلك مثالاً فى التدبير، حيث أدخلت مناسبتين فى بعضهما البعض.
التساؤلات الجادة حول الوظيفة الحقيقية لرئاسة الجمهورية بدأت مع رد فعل الرئاسة تجاه فتاوى قتل المعارضين التى ظهرت خلال شهر فبراير الماضى، فما كان من المؤسسة العريقة إلا أن خرجت لتعلن «رفضها الكامل» لخطابات الكراهية، واصفة إياها بأنها تتمسح فى الدين، ومناشدة كل المؤسسات المعنية بأن تقف صفاً واحداً لمواجهة تلك اللغة التحريضية، ما دعا البعض للتساؤل: «وماذا عن المحرضين؟ هل ستكتفى الرئاسة بمعاقبتهم بالرفض؟».
كانت خاتمة مشاعر الرئاسة مع أحداث الخصوص، حيث أعربت المؤسسة عن أسفها لأحداث الخصوص، مع دعا الكثيرين مع فداحة الحادث إلى التساؤل: هو كله أسف وألم وتعازى.. مفيش قرارات أو أفعال خالص؟!