الفارق بين أن يدخل مبارك إلى قاعة المحكمة خجلا، ملفوفا ببطانية، فى جلسته الأولى، وأن يلوح بيديه مبتسما، فى الجلسة الأخيرة، كبير جدا، فى الأولى كان الرجل لا يصدق ما يدور حوله، من سدة الحكم إلى زنزانة حديدية تبث على الهواء ليكون فرجة العالم، نجلاه مرتبكان، يتبادلان الأدوار، أحدهما يمسك المصحف فيما يدارى الآخر وجه أبيه من الكاميرات، فى المرة الأولى إحساس لا يوصف بالمرارة من ناحيته وبالفرحة من ناحية الشعب الذى ذاق الفساد والإهانة طيلة 30 عاما، أما الثانية فـ«عادى خالص»، صحته زى البومب، حالق وسابغ ومروق نفسه، نضارته وهدومه -وممكن يكون ضارب بيرفن- وابتسامته على وشه، ولا كأنه طالع فى جولة تفقدية، أو ينوى افتتاح مشروع، شخص يجلس «وثيق من الفوز»، فى الجلسة الأولى أنكر الاتهامات تماما، لكن لو أتيح له الحديث فى الثانية بالتأكيد سيتساءل عن سر محاكمته، فما فعله فى 30 عاما تكرر خلال 9 أشهر بعد انتخاب رئيس جديد.
ابتسامة «مبارك» وإشارته بيده -أخشى أن يتحدث «مرسى» فى خطابه المقبل عن الأيادى التى تشير داخل مصر- وحالة التعاطف التى تعامل بها الناس تحتاج إلى دراسة فعلا، نحن شعب عاطفى آى نعم لكن كيف نسينا ما فعله مبارك بهذه السرعة ليتحدث البعض عن ثقته بنفسه وكاريزمته؟ يا نهار اسود، مبارك بقى عنده كاريزما.. وهيبة الرؤساء اللى بتطل من عينيه.. منك لله يا اللى فى بالى.. كيف يحدث هذا؟ أنا لا أصدق أن الناس تنسى بهذه السهولة.. وأن تتعاطف مع مبارك بهذه الدرجة، كانت الشيخة ماجدة وأحمد سبايدر نكتة السنين، «آسفين يا ريس» كانت بضع عشرات، ينتقلون حسب الموجة من حملة عمر سليمان إلى حملة شفيق أو تأييد العسكر، أو أى شخص آخر من نفس العينة الحلوة دى، لكن بعد نحو 9 أشهر من الحاكم المنتخب كبرت «آسفين يا ريس» وصنعت للمخلوع تمثالا حملته معها إلى أكاديمية الشرطة، الأمر الذى ما كانت لتجرؤ أن تفعله من قبل وتواجه به أهالى الشهداء والثوار الذين اكتووا بنار مبارك وقنابله وقناصته وداخليته وسحله وضربه واعتقاله واحتجازه وتركيعه للناس.
أحاول أن أبحث عن سر هذا التحول فى مواقف الناس وفى «آسفين يا ريس» التى زاد عددها، بفعل الشماتة فى الإخوان -ولا حتى تغافلهم عن مفارقة غياب المصحف الشريف من أيدى علاء وجمال- وأنا أقلب فى صور الشهداء وفى وجوه أهاليهم الباكية فى الفيديوهات الكثيرة التى يبكون فيها غياب القصاص، لا أجد تفسيرا لتبدل الأحوال سوى ما فعله الإخوان طيلة الشهور التى تصدروا فيها المشهد، حاملين طائر النهضة الذى باض على الشعب، بعد أن وعدوهم بالمن والسلوى والمليارات القادمة من كل أنحاء الدنيا، وبأن خير البلد هيرجع تانى لأهلها، فاكتشف الناس أن الأسعار زادت والتضخم وصل السما والدعم يتم رفعه تدريجيا وكل واحد هيمشى فى البلد دى محفظته مليانة كوبونات للغاز والبنزين والسولار والعيش، وإن فكرة أن يدخل أحدهم الحمام تعنى أن يستغنى عن واحد من اثنين: إما الماء وإما الكهرباء، وأن الوظائف تحولت واسطتها من الحزب الوطنى إلى حزب الحرية والعدالة، وأن أنابيب البوتاجاز وأرغفة الخبز تصل إلى مكاتب الجماعة الإدارية وأفرع الحزب بالمحافظات لتوزع بمعرفتهم ليعرف الجميع مين اللى بيأكلهم ومين اللى له فضل عليهم.. انقطعت الكهرباء عن المستشفيات والحضانات وأجرى الأطباء عملياتهم الجراحية على الأضواء الكاشفة.. غضب الناس من النهضة بعد أن تحولت أجهزة الموبايل من وسائل اتصال إلى وسيلة إضاءة.. وتحول الموت موتة ربنا إلى أمنية يتمناها الجميع بعيدا عن المقطم والاتحادية والميادين المختلة، بل إن البلد كبلد تحول من دولة يمكن أن تغض الطرف عن أى موقف حتى لا تغضب أمريكا، إلى دولة لا تتخذ موقفا خوفا من غضب قطر، دولة تحرك رجالها فى الرئاسة والأجهزة السيادية للإفراج عن مجموعة من الإخوان اتهمتهم «الإمارات» بتشكيل خلية، وتنسى تماما مواطنا مصريا تم قتله وآخرين يتم إجبارهم على شرب البول فى ليبيا.
أتى الإخوان بوهم سموه «النهضة»، لا تعرف تمسكه من إيد ولا رجل، وصدقوه وباعوه لنا، حتى أوشكت البلد على الإفلاس ووصل الدولار إلى أسعار خيالية، ونتحايل على طوب الأرض لينقذنا بأى شىء: قرض حسن أو سندات أو بفائدة مركبة، ثم يخرج الرئيس فى السودان مبشرا: «لقد نهضت مصر» دون أن يقرأ أى تقرير عن حالة الغليان التى تعيشها مصر الناهضة، أو حالة الناس فيها أو تقارير شعبيته التى انخفضت، ولا ارتفاع عدد الشباب الراغبين فى ترك البلد بإخوانه ونهضته إلى أى بلد آخر.. أساء الإخوان إدارتهم للبلد وأظهروا حالة الشره تجاه السلطة، فخاف الناس منهم، وتدخل أبناء المخلوع وعملوا فيها ثوار، ربما لهذه الأسباب ابتسم «مبارك» وأشار بيده ليحيى «أى حد»، لكن ابتسامته وإشارته وفرحة البعض به لن تكون أبدا دليلا على ندمنا عليه، بل هى دليل على فشل الإخوان، يعنى بدل ما سعادتك تندهش مما حدث العن النهضة واليوم اللى شوفناها فيه.