أنا جاى أعبّر عن تعبيرى.. حبيبى المواطن.. اهتف معايا: ساعة تروح وساعة تيجى!

كتب: محمد حلمى

أنا جاى أعبّر عن تعبيرى.. حبيبى المواطن.. اهتف معايا: ساعة تروح وساعة تيجى!

أنا جاى أعبّر عن تعبيرى.. حبيبى المواطن.. اهتف معايا: ساعة تروح وساعة تيجى!

ــ شعب يخلق البسمة من العدم.. ويزرع الضحكة فى غيطان الألم.. يشيل الهَم ويكركع.. ولو ضاقت عليه دنياه يمَسْخَر فيها ويلعلع. أتحدث بالطبع عن الشعب المصرى الأصيل الجميل النبيل.. جميل فى فرحه وتَرَحه، وأزمته ومرحه. نحن نعيش الآن مرحلة طين بامتياز، ومن يقول غير ذلك، فأنا على أتم استعداد أدبّ صوابعى فى عيون سيادته. ورغم الحالة الطين، اكتشفت أن الناس بدأت تكبر دماغها، وتعيش خارج إطار الأحداث التى لم تجلب عليهم سوى الضغط والسكر والزيت والشَّهْقَة والرَّهْقَة والرعشة يا أبلتى.. وقد لمست كيف يعيدون إنتاج المشاهد السوداء للنكش عن تفاصيل تبعث على الفكاهة والمرح. والمشهد الأول أو الرئيسى بطبيعة الحال هو المظاهرات والوقفات الاحتجاجية.. اكتشفت هنا أمراً أظن أنه جدير بالانتباه، وهو انحسار مساحة الاهتمام بالمظاهرات كما سمعت من كثيرين لأنها صارت رتيبة الإيقاع بلا تجديد ولا إبداعات لافتة، وربما كان ذلك هو سبب ابتكارات حركة 6 أبريل لأنماط غير معتادة لدرجة خروج بعضها عن المألوف.. أما الرتابة فهى واضحة حتى فى التوقيت، صارت كل جمعة مثل حصص المدرسة.. جمعة فى ديل جمعة فى ديل جمعة (مشيها ديل عشان خاطرى!).. حتى بدا الأمر لى وكأن الناس قد وصلوا إلى درجة «الشَبَع» من المظاهرات والاحتجاجات، لهذا بدأوا النكش فيما يدخل على قلوبهم السرور، بعيداً عن تفاصيل العنف والصراخ والتشنج. فى هذا الجو الجديد اكتشفت أيضاً أن معظم الوقفات الاحتجاجية والمظاهرات بالفعل تحمل فى طياتها وتفاصيلها مادة للتسلية والتسرية والضحك فى أحيان كثيرة. شاءت الصدفة أن أشهد ميلاد وقفة احتجاجية بدأت بعشرة أفراد، ثم أخذ العدد فى الازدياد بأناس لا علاقة لهم بالاحتجاج ولا بأسبابه ولا مصلحة لهم فيه، ولم يدفعهم للوقوف سوى الفرجة. ضحكت كثيراً وأنا أتابع الموقف، فقد تذكَّرت النكتة التى انتشرت أيام طوابير الفراخ، عندما وقف رجل (يفُك مَيَّة) بجوار فتحة سور، ولمحه رجلان فسارع كل منهما بالوقوف خلفه، وهكذا فعل كل من مر عليهم، فامتد الطابور واستمر العدد فى الازدياد ظناً من الجميع أنه طابور الفراخ.. أما أجمل ما فى النكتة فهو أن الرجل الأوَّلانى الذى وقف يفك الميَّة سأل من يقفون خلفه عن سبب وقوفهم، فأخبروه أنه طابور الفراخ فظل واقفاً فى انتظار الفراخ!! لو التَفَتَ مؤرخو المرحلة الراهنة إلى رصد وجوه المواطنين البسطاء ممن يتكرر وجودهم فى المظاهرات والتجمعات الاحتجاجية، دون أن يكون لهم أى علاقة بمطالبها، ولا دافع لهم سوى الشغف «بالزيطة»، إضافة إلى رصد ما يصدر منهم من تعبيرات عفوية، وما يكتبونه على اللافتات المتواضعة التى يحملونها، لخرجوا بأغرب وأطرف مادة فكاهية. فى إحدى المظاهرات سأَلَت مذيعة أحد المتظاهرين: لماذا جئت اليوم؟.. قال الرجل: أنا جيت أعبَّر عن تَعْبيرى!! وكله كوم وما حكاه لى صديق شارك بإحدى المسيرات بشوارع وسط البلد كوم آخر.. قال كنت بالمسيرة وبجانبى سيدة فى العقد الرابع من عمرها، بادية الشياكة والأناقة، على عينيها نظارة شمسية واضح أنها ماركة محترمة، ناهيك عن رائحة البارفام الباريسى التى عبَّأت جو المسيرة.. كان الجميع يردد الهتافات خلف قائد الهتاف المحمول على الأكتاف، وإذا بثمرة جوافة فاسدة بحجم القنبلة اليدوية ترتطم بوجه السيدة المحترمة، والغريب أنها ظلت متماسكة رابطة الجأش ولم تتوقف عن الهتاف بنفس الحماس، إلى أن جذبتها أنا وأحد المشاركين بعيداً عن المسيرة لإزالة آثار قذيفة الجوافة، ثم غرقنا فى نوبة ضحك.. ونسينا المظاهرة. عزيزى المواطن الجميل.. عيش حياتك واهتف معايا: «ساعة تروح وساعة تيجى»!