«منتصر» رئيس جمعية «التقييم» وهى جمعية سرية كونها هو واثنان من أصدقاء دفعته، ينحصر نشاط الجمعية فى وضع درجات تقيمية تعكس جمال كل فتاة من فتيات دفعته، ويتم أخذ المتوسط الحسابى لمجموع درجات الأعضاء الثلاثة ليكون درجة لجمال الفتاة.
ينتظم مع زملائه فى دفعة البكالوريوس فى جميع الرحلات فلا تفوته واحدة، دائماً يضع «كاب» على رأسه ويغيره حسب لون الملابس التى يرتديها.. يضع فى يده ساعة تقترب من حجم «المنبه»، عند سماع الموسيقى لا يتمالك نفسه لا بد أن يرقص طرباً.
«منتصر» نجم فى دفعته تطارده الفتيات.. وإن لم يفصحن! قليل من الحياء الشرقى ما زال موجوداً.. فالذكر هو من يجب أن يبادر، وما غناء البلابل وهديل الحمام إلا دعوة من الذكور للإناث وذكور الضفادع «تنقنق» بالليل لتنادى على إناثها.. إنها الفطرة!
يقود سيارته الجولف موديل الثمانينات، هو دائماً مزهو بها ومتفاخر بالتعديلات التى صممها وأدخلها على السيارة لتبدو كسيارة سباق أنيقة.
يجلس على المقهى ويفتح جهاز «اللاب توب» ويضيع فى فضاء «الإنترنت» فيفتح حسابه على «الفيس بوك» ليرد على (المُزز).
وجد دعوات عدة من بينها دعوات من جروبات مثل «ارفع بنطلونك» و«احترم نفسك» التى تهدف للقضاء على التحرش الجنسى.
وجد دعوة على «الفيس بوك» تقول: (خليك فى البيت يوم 6 أبريل).. بعفوية وبطريقة أوتوماتيكية قام بتصدير تلك الدعوة إلى قائمة أصدقائه الطويلة.. فضغطة واحدة على «الماوس» كفيلة بنقل الرسالة للجميع.. هذه هى عادته كلما كانت تأتيه رسالة وفى نهايتها طلب بنشرها، كان ينشرها من باب التحضر والتعاون، نسى الأمر تماماً.. وانتشرت سيارات الأمن المركزى فى الشوارع والميادين الرئيسة.
خرج من منزله مسرعاً ليدرك موعده مع أصدقائه فى المعمورة.. يستقل سيارته ويشغل «الصب ووفر» فيخترق صوت السماعات الآذان.. أيام تمضى سريعاً ليجد نفسه أمام سلطات التحقيق بتهمتى التحريض على الإضراب والمساس بأمن البلاد.. ولأنه لم يكن له فى «الطور ولا فى الطحين» كان ضمن أول من تم الإفراج عنهم.
خرج وفى نفسه أسئلة كثيرة راح يدين نفسه ويلعن حياته العابثة وقرر أن ينزل من عليائه ليمشى على تراب الوطن فقد كان يعيش على تراب الوطن ولا يمشى عليه!
جلس «منتصر» المصرى لأول مرة فى حياته على مقهى بلدى عريق فسمع حديث شيخين يلعبان النرد ويلعنان الزيادة المطردة غير المبررة فى الأسعار ويترحمان على زمن مضى.. استسلم «منتصر» لصوت سيدة الغناء العربى.. لأول مرة يتذوق «منتصر» طعم مصر مع نكهة البن «المحوج»، الست كانت تشدو «أعطنى حريتى أطلق يديا»، يشد أنفاس التفاحة فى نشوةٍ بالغة لم يقطعها سوى صوت بذاءات يتبادلها سائقو سيارات الأجرة فى البنزينة المواجهة للمقهى، حيث يتصارع السائقون فيما بينهم على من يحصل أولاً على بنزين 80 أوكتين الذى كاد أن يختفى من الوجود.
مر بائع الصحف فصاح عليه، اشترى منه جريدته اليومية، وقع بصره على مقال عن صحفى القرن التاسع عشر «عبدالله النديم» يبدأ المقال بتلك الكلمات الخالدة: «قد حان لكم أن تعلموا أن الراعى لكم ولستم للراعى.. انبذوا الخوف جانباً وقاوموا سيوف الظلم، ولا تهابوا من يروم إبعاد الحق.. لا تخشوا سطوة مدير أو عامل أو حاكم».
قرر «منتصر» أن يكون فاعلاً من أجل الوطن.. يغير لأنه يحب.. ويتظاهر بطريقة سلمية للتعبير عن رأيه، فتحقيق الديمقراطية هدف نبيل، ولكن ديمقراطية حقيقية ليست للتنفيس عن هواء زائد فى الإطار!
لم يفوت «منتصر» مظاهرة سلمية واحدة إلا ونزل فيها، يهتف من أجل مصر أفضل.. نزل مع الشباب يوم 25 يناير ثم نزل فى جمعة الغضب فى ميدان مسجد القائد إبراهيم.. ليكون وردة ضمن «الورد اللى فتح فى جناين مصر».