«مواطن فرز تانى، مُهمش، كم مُهمل، وجودى عبء، حقوقى سراب، وباتت أقصى أحلامى العيش كإنسان»، كلمات حزينة عبر بها لبيب عزت عن علاقته بالنظام، «شاب مصرى بس قبطى» يقولها بسخرية مكتومة كمن يفصح عن عيب فى شخصه.
وقت الانتخابات الرئاسية كان يمر الشاب العشرينى أمام شاشة التليفزيون فتنتابه حالة من الضحك: «أنا نزلت أقول عيش حرية عدالة اجتماعية، فجابولى عسكر وإخوان، يعنى تختار بين السجان والسجين».
لبيب «عوّل» على نجاح الدكتور «مرسى» الذى أقام سنوات فى أمريكا، معتبرا أن ذلك سيفتح مجالا للانفتاح على الآخر، يقول: «بس مع أول خطاب قالك أهلى وعشيرتى، يعنى أساسا فيه اضطهاد لمعظم المسلمين، أمال أنا أروح فين؟»، علاوة على إشارته لخطاباته المستمرة داخل المساجد «ببقى قاعد أدام التليفزيون مستنيه يقول اللهم اشف مرضانا ومرضى المسلمين»، أكثر ما يحزن ابن حى السلام هو عدم وجود قائد للبلاد يعود إليه وقت ظلمه «البلد مالهاش كبير.. بصراحة مفيش بلد أصلا».
خمس ساعات ظل فيها «لبيب» مذهولا وهو يرى الكاتدرائية تقصف بقنابل الغاز، غير مصدق لما تراه عيناه، مؤكداً أنه فى عز جبروت النظام السابق لم يكن يجرؤ شخص على الاقتراب من كيان يمثل أقباط مصر فيما صارت الكنيسة الأم مرصدا للدولة تُصوب تِجاههَا القمع.
بخفة ظل يقول: «الكاتدرائية دى عاملة زى الوحوش اللى فى ألعاب الرعب.. لما تضّرب ده معناه إن مفيش حاجة تانية تتعمل.. على طول بتنزل كلمة النهاية».
ردود كلاسيكية تتردد على مسامع «لبيب» كـ«يحيا الهلال مع الصليب» عقب كل فتنة طائفية تجلب للشاب -الذى تخرج فى كلية التجارة قبل عامين- الخزى «بحس إنهم بيستخفوا بينا.. الناس بتموت زى الناموس والريس يقولك الاعتداء على الكنيسة اعتداء على شخصى.. طب الأولى كان منع الدم اللى سال بدل البلاغة والخطب»، يضيف الشاب الذى يكمل عامه السادس والعشرين بعد ثلاثة أشهر أن الفارق بين ما قبل الثورة وبعدها هو أن عصر «مبارك» كانت فيه النظرة للأقباط تتلخص فى الرؤية القاصرة لبعض من سماهم «جهلة»: «كنت تلاقى واحد يقولك ماتاكلش من عند المسيحى وماتقعدش جنبه فى الفصل»، إلا أنه بدأ يستشعر صيغة جديدة فى التعامل معه تكمن فى تلك النظرة الدونية له كقبطى «دلوقتى بحس إن أنا مغترب مش فى بلدى.. مش على حسابات النظام ومجرد مواطن فرز تانى».
بعد أربعة أشهر يسافر «لبيب» الذى يهوى الإخراج المسرحى إلى فرنسا للحصول على منحة هناك، تراوده الوساوس فى عدم العودة للبلاد «عايز أعيش فى بلد مفيهاش زمارة.. فى مكان يعاملنى كإنسان.. حد يهتم بىّ لمجرد وجودى فى الكون»، ويدلل الشاب على إحباطه بأن الرئيس أعلى سلطة فى الدولة لا يرى عمله على أكمل وجه وكذلك من يخلفه: «لما الكبير يبقى محطوط فى مكانه غلط.. يبقى أنا كمسيحى حلمى فى الحصول على حقى الطبيعى بقى سراب»، يستكمل «لبيب» تهكمه على النظام بقوله: «كل حاجة تحصل يقولك الجانى مجهول.. طب أنا عايز أقعد مع كبير المجهولين وأتفاوض معاه يمكن نوصل لحل».
الابن الوحيد لأسرة يصفها بالبسيطة لا يخشى مما اعتبره «اضطهادا من النظام للأقباط»: «فى أحلك عصور الاضطهاد الكنسى ماحدش قدر يكسر شوكة الدين جوانا.. وأنا فنان مصرى أرفض الانحناء لسطوة شخص يحاول طمس هويتى.. ده مش هيحصل».
«لبيب» يلفت النظر إلى أن الحالة النفسية السيئة التى يحياها فى ظل حكم الدكتور مرسى لا ترتبط بكونه قبطيا فقط، مدللا على أن أكثر ما يحرك الدموع داخله هو تلك النظرة التى ترتسم على وجه والدته أثناء خطابات الرئيس «بقيت بحس إنه بيهين مصر.. لأن رمز الدولة لما يبقى مثير للسخرية والاستهزاء.. ده بيكسرنا أقباط ومسلمين».