سيد جبيل يكتب: اليوم خمر وغداً أمر.. لهذه الأسباب نجح «ترامب» ولهذه الأسباب سيسقط

كتب: سيد جبيل

سيد جبيل يكتب:  اليوم خمر وغداً أمر.. لهذه الأسباب نجح «ترامب» ولهذه الأسباب سيسقط

سيد جبيل يكتب: اليوم خمر وغداً أمر.. لهذه الأسباب نجح «ترامب» ولهذه الأسباب سيسقط

«اليوم لا نقوم فقط بنقل السلطة من إدارة إلى أخرى، بل ننقل السلطة من واشنطن دى سى ونعيدها إليكم أيها الشعب». هذه العبارة التى وردت فى خطاب تنصيب الرئيس الأمريكى الجديد هى مفتاح فهم أسباب قوة وضعف الرئيس الـ 45 للولايات المتحدة دونالد ترامب. لقد فاز «ترامب» بالرئاسة، على عكس كل التوقعات، لأنه لعب على مشاعر العامة ووعدهم بتغيير جذرى لم يسبقه له أى رئيس أمريكى. هذا التغيير يتمثل فى أنه، كما قدم نفسه، سيكون ممثل الشعب الحقيقى فى مواجهة النخبة الحاكمة الفاسدة. كان ذلك واضحاً فى خطاب التنصيب عندما قال: «لفترة طويلة كانت السلطة فى يد عدد قليل للغاية، ودفع الشعب ثمناً لذلك»... «واشنطن ازدهرت لكن الناس لم يشاركوا فى هذا الازدهار، والساسة أثروا لكن الوظائف انخفض عددها والمصانع أغلقت أبوابها».

و«ترامب» بهذا التوجه ليس حالة استثنائية أو فريدة على الساحة السياسية العالمية الآن، لكنه جزء من تيار الشعبوية الآخذ فى الصعود. وهناك ساسة مثله يسعون خلال الشهور المقبلة للوصول إلى السلطة فى 3 دول أوروبية وهى فرنسا وألمانيا وهولندا، ونجاحهم قد يغير وجه أوروبا والعالم.

الشعبوية «populism» تعبير غامض رغم أنه موجود فى أدبيات السياسة منذ العام 1890. لكنه كان دائماً يُستخدم لوصف الساسة الغوغائيين الذين يلعبون على مشاعر الجماهير بشعارات براقة يصعب تحقيقها. وقد سعى عدد كبير من الباحثين لدراسة هذه الظاهرة ورموزها، وانتهوا إلى أن هناك سمات عامة بين الساسة الشعبويين، أهمها أنهم يقسمون الناس إلى فئتين: «النخبة» و«سائر فئات الشعب». وهم يمقتون النخبة التى تمثل عادة نحو 1% ويصفونها بالفساد ويعتبرون باقى الشعب (الـ 99% فى أى بلد) كياناً واحداً متجانساً ومتضرراً من سياسات الحكومة التى تخدم فقط النخبة وفى القلب منها رجال الأعمال والإعلام. ويعطى الشعبويون أنفسهم الحق فى الحديث باسم الشعب. هذا ما فعله دونالد ترامب الذى قال ذات مرة «العلاج الوحيد لمآسى حكم النُّخَب المدمر هو الإذعان لرغبات الجماهير فى كل قضية رئيسية تؤثر على هذا البلد لأن الجماهير دائماً على حق والنُّخَب على خطأ».

الشعبويون من أمثال «ترامب» ينتمون لليمين أو اليسار. فمثلاً ياروسلاف كاتشينسكى فى بولندا يدعو لسيطرة الكنيسة على مؤسسات الحكم، فيما تدعو حركة «بوديموس» فى إسبانيا لتوزيع العقارات الخالية المملوكة للبنوك على الفقراء.

الشعبويون من اليمين الذى ينتمى إليه «ترامب» عنصرىون يركزون على فكرة القومية «أمريكا أولاً»، ويفضلون العزلة عن الآخرين. وهذا سبب هجوم «ترامب» على حلف شمال الأطلسى الذى يعتبره استثماراً فاشلاً لحماية بلدان لا تريد دفع تكاليف الدفاع عن نفسها، وللسبب نفسه هو غير متحمس للاتحاد الأوروبى ويشجع حليفته بريطانيا على الخروج منه، ويناصب المهاجرين -وهم من بنوا الولايات المتحدة- العداء ويعتبرهم عبئاً لا إضافة، وهذا سبب أزمته مع المكسيك، التى تعهد بأن تدفع ثمن السور العملاق الذى يعتزم بناءه على الحدود معها لمنع تسلل مواطنيها لأمريكا. وللسبب نفسه هو بالغ العداء للمسلمين، لأنه يعتقد أنهم يسعون لتغيير الهوية المسيحية لأمريكا «البيضاء».

لا تخلو لغة ترامب ووعوده، مثل غيره من الشعبويين، من تناقضات كبيرة؛ أشار إلى أحدها حين قال «أعيش فى شقة لم يَرَ أحد مثيلاً لها، ورغم ذلك أمثل عمال العالم». تماماً مثل رئيس وزراء إيطاليا السابق «بيرلسكونى» الذى دخل قلوب الناس بحديثه الدائم عن الفساد الذى كان غارقاً فيه.

مشكلة الشعبويين، الذين ينتعشون فى الأزمات الاقتصادية والتهديدات الأمنية، أنهم يحاولون وضع حلول بسيطة لمشكلات معقدة ويصطدمون بواقع مختلف حين ينتقلون لمواقع السلطة. وهذا هو المأزق الذى سيواجه «ترامب» الذى أفرط فى وعود كبيرة مثل القضاء على الفقر والجريمة والإرهاب وإنعاش الاقتصاد، ووصل به الأمر أن قال فى أحد مؤتمراته الصحفية «سأكون أكثر من يستحدث وظائف على وجه الأرض»، كل هذه الوعود أُطلقت فى الهواء الطلق دون تقديم تصورات عملية لتحقيقها، وهو بذلك يشبه أهم تيار شعبوى فى مصر وهم جماعة «الإخوان» الذين ابتكروا شعار «الإسلام هو الحل» البراق لكنهم لم يبذلوا أبداً جهداً فى ترجمة الشعار إلى حلول عملية توضح كيف يمكن أن تحل نصوص الإسلام مشكلات العالم المعاصر المعقدة. «الإسلاميون» طبعاً تجاوزوا «ترامب» وغيره من الشعبويين فى كونهم لا يتحدثون فقط باسم الشعب ولكن باسم الله. وهذه قصة أخرى.


مواضيع متعلقة