عمّال الليل.. عيون ساهرة لا ترى النوم
عمّال الليل.. عيون ساهرة لا ترى النوم
- أعمال النظافة
- البيع والشراء
- الشحن والتفريغ
- الليل والنهار
- المبانى الجديدة
- النصف الأول
- انت حر
- بشكل عام
- حافظة الغربية
- حافظة سوهاج
- أعمال النظافة
- البيع والشراء
- الشحن والتفريغ
- الليل والنهار
- المبانى الجديدة
- النصف الأول
- انت حر
- بشكل عام
- حافظة الغربية
- حافظة سوهاج
أبواب مفتوحة طيلة اليوم، وحركة لا تهدأ أبداً، ظهراً كان الوقت أم فجراً، وأناس يقطعون الطرقات الواسعة وسط المبانى الجديدة طيلة الليل جيئة وذهاباً، وصالات داخلية للسفر وأخرى للوصول لم تخلُ من زوارها ليلاً، وساحات شحن وتفريغ خيم عليها الليل ولم تسكن حركتها بعد، هكذا هو الحال داخل ميناء سفاجا البحرى، فلا فرق فيه بين نهار أو ليل، فالعمل قائم، نهاراً فى شحن وتفريغ السفن، وليلاً فى استقبال وتوديع المسافرين، وبين هذا وذاك أناس لا تغفل عيونهم، وربما انقلب ليلهم نهاراً ونهارهم ليلاً، وربما واصلوا هذا بذاك لحين انتهاء العمل.
قامة طويلة يعلوها رأس خطه الشيب، وعينان جرى فيهما الدم من قلة النوم، وصوت أعيته كثرة الحديث، على هذا الحال كان «حسنى العزب»، مسئول أمن هيئة الميناء منذ ثمانية أعوام مضت، يواصل فيها الليل بالنهار طيلة النصف الأول من الشهر، ليتجه فى النصف الثانى من الشهر إلى مسقط رأسه فى محافظة الغربية بعد أن يأتى إليه بديله فى العمل.
«راحتى فى اليوم ممكن تكون ساعة أو ساعتين بالنهار هما اللى بنام فيهم وغير كده بيكون ليلى زى نهارى، ولازم أكون واخد بالى من كل كبيرة وصغيرة، ومينفعش عينى تغفل بالليل»، هذا ما قاله «حسنى» عن طبيعة عمله داخل ميناء سفاجا البحرى، ورغم ما يعانيه من تعب وإرهاق تبدى بشكل واضح على مظهره العام، فإنه لا يبالى فى ذلك بشىء: «أنا طالما باخد أجر يبقى لازم أقوم بشغلى ده على أكمل وجه، وأنا بعتبر نفسى من اللى قال عنهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فى حديثه: عينان لا تمسهما النار....».
{long_qoute_1}
طبيعة عمل «حسنى» جعلته لا يرى فروقاً جوهرية بين الليل والنهار، بل ألفت عيناه الليل أكثر من النهار نظراً لما يتطلبه الليل من يقظة أكثر خاصة أن «للنهار عينين»: «شغل الليل بيكون أكتر لأنى بكون مطالب إنى لازم أمر على كل الموظفين الموجودين بالليل وأتأكد إن كل واحد موجود فى مكانه وتانى يوم الصبح بيكون فيه تقرير عن الناس اللى كانت موجودة والناس اللى اتأخرت وعن كل حاجة حصلت ويتم عرضها على مدير الميناء الصبح»، مضيفاً: «هنا كل الناس اللى فى الميناء بتكمل بعضها وكل الناس بتكون شغالة بكل طاقتها بالليل أكتر من النهار، سواء فى ساحات السفر أو فى ساحات الشحن والتفريغ أو فى أى مكان فى الميناء، وفى أى وقت من الليل بيكون فيه شغل فى الميناء لازم كلنا نكون موجودين».
كان وضع ميناء سفاجا قبل تطويره من الأمور التى تصعّب عمل «حسنى»، فلا إضاءة كافية، ولا وسائل راحة على الإطلاق: «الليل هنا متعب جداً من قلة الإضاءة، إنما دلوقتى الإنارة بقت موجودة فى كل مكان فى الميناء وده ريحنى بشكل كبير جداً وتعتبر أهم حاجة بالنسبة لى حصلت فى التطوير».
وداخل صالة السفر وقف الشاب الثلاثينى «أيمن العريبى»، إخصائى خدمة ركاب بالميناء، ينظم العمل داخل الصالة ويوجه موظفيها، ويتابع حركة ركابها وقد قارب الليل على الانتصاف: «أنا شغال فى الميناء هنا من 2009، ومن يوم ما اشتغلت فيها وظروف الشغل هيا اللى بتحكم وبتحدد إذا كنا هنشتغل بالليل أو إذا كنا هنوصل الليل بالنهار فى أيام المواسم».
لم يكن «العريبى» من أبناء مدينة سفاجا، إنما كان مثل كثيرين غيره من المغتربين، جاءت به حاجته إلى العمل من محافظة سوهاج، مسقط رأسه، ليستقر فى مدينة سفاجا ويعود إلى بلده الأصلية فى فترات الإجازة: «إحنا بقينا من أهل المكان، بس طباعنا فى الصعيد تخلينا مينفعش نسيب أهلنا ونقعد فى مكان تانى، مهما كان الشغل بعيد لازم نرجع فى الأجازات لبيتنا وأهلنا».
يدور عمل «العريبى» حول التنسيق مع جميع العاملين فى محطة الركاب والتأكد من أن كل موظف منهم موجود فى مكانه مع بداية فتح بوابات الصالات سواء السفر أو الوصول: «بعدها بفضل متابع حركة الراكب من أول ما يدخل المحطة مروراً بالجوازات عشان يختم جوازه لحد ما يوصل للمركب بتاعته أو العكس».
يعمل «العريبى» ليلاً دون التأكد من انتهاء هذا العمل بمجرد بزوغ الفجر، وإنما قد تكون هناك مفاجآت أخرى، وما أكثرها، حسب قوله: «الأساس إن العبّارة ممكن توصل بالليل فى أغلب الأوقات، لكن ممكن بعد ما تيجى عبارة بالليل تيجى واحدة تانى الصبح، فبالتالى مينفعش نروح بيتنا إلا لما نستقبل العبارة دى ونفضل موجودين لحد ما آخر راكب يخرج من صالة الوصول عندى أو صالة السفر».
وكان لـ«العريبى» مثل غيره ما أصاب عمله بصورة مباشرة فى عمليات التطوير، حيث كانت عملية فصل حركة الركاب عن حركة الشاحنات أو البضائع داخل الميناء هى الأهم بالنسبة له: «قبل كده كنا بنتعب جداً فى التعامل مع الركاب».
وداخل «كافيتريا» صالة السفر، وقف «شريف محمد» ينظم «نصبته» مرة أخرى بعد أن خلت الصالة من ركابها، فيضع الأكواب الزجاجية على رفوفها بعد أن يغسل المتسخ منها، ويعيد رص أدواته أمامه من جديد تمهيداً لساعات العمل الباقية من الليل: «شغلى هنا بيبدأ من الساعة 8 بالليل لحد الساعة 7 الصبح وده لأن اعتمادى الأساسى فى الشغل على الركاب وأغلب الركاب اللى بتسافر من الميناء هنا بيكون سفرها أو وصولها بالليل».
{long_qoute_2}
يعمل «شريف» فى ميناء سفاجا البحرى منذ أكثر من 10 أعوام، جاء قبلها من محافظة المنيا تاركاً زوجته خلفه، ليعود إليها كل أسبوعين أياماً معدودة، يقول: «أنا حضرت الميناء من أيام ما كانت تراب لسه، وقتها حركة البيع والشراء عندى كانت أكبر من دلوقتى خاصة إنى بقالى فترة حاسس بركود، وده يرجع لأكتر من سبب أهمها إن الأول كانت الكافيتريا مكانها وسط الركاب ومفتوحة على الرصيف، إنما دلوقتى بقى لى مكان مخصص وشكله نضيف والراكب ممكن يخاف تكون المشاريب فيه غالية بالرغم من إن الأسعار مختلفتش كتير».
رغم تأثر دخل «شريف» سلباً بعد عمليات التطوير إلا أن ذلك لم يهمه كثيراً: «بشكل عام الوضع بالنسبة للراكب دلوقتى أفضل بكتير جداً من الأول فى كل حاجة وده مخلينى فرحان حتى لو كان البيع قليل، لأن الراكب الأول كان بيتبهدل وبيصعب عليّا»، مضيفاً: «الواحد لما بيكون جاى الشغل وعارف إنه هيقف فى مكان نضيف بيكون نفسه مفتوحة، وده الوضع بالنسبة لى بعد تجديد الميناء، وحتى لو كان البيع قليل بس الراكب بعد كده هياخد على الوضع لما يعرف إن مفيش غير المكان ده».
وفى أحد أركان صالة السفر، كانت حركة «محمد عبدالغنى»، عامل النظافة، العشرينى، لافتة للنظر، فقد بدأ عمله من حيث انتهى الآخرون، فبعد أن خلت الصالة من ركابها، أخذ الشاب العشرينى يجوب الأركان جيئة وذهاباً، ممسكاً فى يديه «مسّاحته» ملفوفاً عليها قطعة قماش بعد أن أغرقها فى دلو المياه بجواره، يقول: «شغلى هنا من الساعة 11 بالليل لحد الساعة 7 الصبح، وأول ما باجى بغير هدومى وألبس هدوم الشغل، ولو فيه ركاب لسه فى الصالات بنبدأ شغل فى أماكن تانية لحد ما الركاب كلها تمشى، وبعد كده نرجع ننضف الصالة عشان لو هتستقبل ركاب تانيين وهكذا على نفس الوضع لحد ما يطلع النهار».
عام ونصف العام قضاها «محمد» داخل ميناء سفاجا البحرى كعامل نظافة، ليوضح أن أعمال النظافة مع بداية عمله وقبل الانتهاء من عمليات التطوير لم تكن واحدة من حيث صعوبتها بعد الانتهاء من عمليات التطوير: «تنضيف الأماكن اللى بيقعد فيها الركاب كان صعب قبل ما تخلص التجديدات، إنما دلوقتى الوضع اختلف والشغل بقى أسهل بكتير من الأول، غير إنى بقيت أحس براحة نفسية وأنا شغال فى المكان، خاصة إنى من أبناء سفاجا ووجود مكان زى ده فى بلدى بيخلينى أحس بالفخر».


