أعظم ما قرأت (5)

أحمد صلاح

أحمد صلاح

كاتب صحفي

ما زلنا في أعظم ما قرأت، وليكن هذا عددنا المأساوي الكئيب، نتناول فيه ثلاث روايات (روايتين ومسرحية في الحقيقة) المسرحية من مصر.. والروايتين من بلاد الرافدين:

1- فرانكشتاين في بغداد رواية عراقية لأحمد سعداوي:

رواية بطعم الفانتازيا والعجائبية، حصلت على البوكر 2014، باستحقاق وعظمة..بائع العاديات (الخرداوات) في سوق بغداد، له هواية دموية وعجيبة، يعشق أن يجمع أشلاء القتلى من انفجارات ألفها الشارع العراقي، وصارت شعاره وأغنيته، ما إن تتناثر أجساد حتى يسرع بجمع ما يلزمه منها، ويخيطها إلى بعضها صانعًا (شِسْمَه) أي (الذي ليس له اسم)، تجري الرواية على لسانه ولسان محمود الصحفي، وتحكي عن أم دانيال التي ترى في المسخ الذي جاءها روحًا لا تعرف جسدًا لها، ترى فيه ابنها الذي غاب كثيرًا، وترى صورة الشهيد مار جرجس فتشكره على مسخ يتخفى في الليل يخنق الشحاذين، ويرتكب الجرائم بمغزًى أخلاقي لن يُفهم إلا في نهاية الرواية.هي رواية المنطقة الخضراء، والمشعوذين، وأجساد العراقيين الناضحة بالعرق والدماء والعوز، والصحافة والخيانة.. رواية من قلب مفعم باليأس والإحباط، ويطمع في الخلاص، ولا خلاص!

2- يا مريم رواية عراقية لسنان أنطوان:

تنتهي القصة من حيث يجب أن تبدأ بحادثة كنيسة القديسين، حدث عابر من أحداث ملحمة العراق التي يحارب فيها شبح الطائفية نفسه، وقوده الآمنون.. تطرح الرواية رؤيتين متعاكستين لطرفين مسيحيين في منزل واحد؛ أحدهما الأب الحاني والثانية زوجة الابن المتمردة في مجتمع ينظر لها بفوقية، وتنظر له بانكسار.. تنتظر الهجرة، فتجلس في منزل يوسف الذي أضناه التعب وهدّته الأماني.. يستشف رائحة الأسرة الغابرة، ويقارن بين أعوام الرخاء والشدة، في بلد المليون نخلة، الذي أصبح يتسول الطعام!الكاتب ماهر في معرفة أدواء النفس البشرية، وتعريجات خرائطها النفسية، يسبح معك في ضبابيات عراقية تأبى الانقشاع، وطلسم من اللعنات يتسربل فوق الرؤوس، حتى يحدث الانفجار، ويدخل المسلحون، وتلفظ الرواية أنفاسها الأخيرة، معلنة التحدي، تحدي الموت وأصحابه والموكلين به!

3- الزلزال مسرحية من مصر لمصطفى محمود:

مسرحية تتخذ من السخرية والهزل أفكارًا تنويرية.. هو زلزال إذًا حدث قلب كيان الأسرة (الوطن) وعلقوا تحت الأنقاض، تبدأ الحوارات في الكشف عن مكنون النفس البشرية، وميلها إلى المصلحة، تعري الشخوص عن مظاهرهم الخارجية، فبين المتعلم ومحب الشهرة والأطفال الذين يبقون بعد استنفاد سبل البقاء على قيد الحياة.. وتحت شعار (معًا أو الموت) يختار الأناس الذين على شفا الموتِ الموتَ مفلتين أيديهم، لا يتعاونون، كأنهم ليسوا إخوة، ولا يفهمون المصلحة.مسرحية فيها حرفية صانع، ودموع قلم، واستبشار لمستقبل أصبح حاضرًا نعيشه تحت أوجاع اليأس وإحباطات الأمل!