مدحت العدل: حجم الفاسدين فى المجتمع غير مسبوق من قبل.. والناس صارت تترحم على «زمن الفساد الجميل»

كتب: محمد عبدالجليل

مدحت العدل: حجم الفاسدين فى المجتمع غير مسبوق من قبل.. والناس صارت تترحم على «زمن الفساد الجميل»

مدحت العدل: حجم الفاسدين فى المجتمع غير مسبوق من قبل.. والناس صارت تترحم على «زمن الفساد الجميل»

يستعد الكاتب والسيناريست مدحت العدل، لإصدار ديوانه الثانى «شبرا مصر» الذى يطرحه بعد عامين تقريباً من ديوانه الأول «رصيف نمرة 5»، ويقدم فى عمله الجديد بورتريهاً شعرياً لـ32 شخصية من واقعه وذاكرته بشكل يمثل تجربة مختلفة فى سياق كتاباته السابقة. فى حواره لـ«الوطن» يتحدث الكاتب الكبير عن تجربة كتابة الديوان الشعرى، وتصوره لخطة تسويقه وطرحه، وملامح الشخصيات التى استعان بها فى الكتابة، وكذلك أكثر قصائد أرهقته فى الكتابة، إلى جانب حديثه عن مسلسله الجديد «لأعلى سعر» الذى تستعد النجمة نيللى كريم للقيام ببطولته من إخراج محمد العدل فى رمضان المقبل، وأخيراً يتطرق للحديث عن رؤيته للواقع، الذى يرى أنه فاق خيال المؤلفين وكتاب الدراما فى قسوته.

{long_qoute_1}

■ فى البداية.. كيف جاءتك فكرة إصدار ديوان «شبرا مصر»؟

- كتبت منذ فترة قصيدة بعنوان «مرزوقة» عن فتاة تعمل لدى الجيران، وعندما قرأتها ابنتى آية اقترحت علىَّ أن أكتب ديواناً يضم الشخصيات التى قابلتها وعرفتها وتأثرت بها، وهو ما تحمست له بالفعل، حيث استحضرت 32 شخصية عالقة فى ذهنى من الصغر، ورسمت لها ما يشبه البورتريه بالشعر، وكتبت بجانب القصيدة بعض السطور النثرية عن الشخصية وظروف معرفتى بها وتعايشى معها، وجميع القصائد تحمل أسماء شخصيات واقعية بالفعل.

■ من أبرز الشخصيات التى يتضمنها الديوان؟

- أغلبها شخصيات غير معروفة للعامة، تشكل جزءاً من ذكرياتى الخاصة، ولكنه يضم أيضاًَ شخصيات شهيرة مثل شقيقى الفنان الراحل سامى العدل، الذى كتبت عنه قصيدتين، وخيرى بشارة، وفاتن حمامة، وأمل دنقل، وصلاح جاهين، ونيلسون مانديلا، والسيد المسيح، ونصر حامد أبوزيد، وإبليس، كما كتبت قصيدة عن نفسى بعنوان «شاعر ينعى نفسه»، وغير ذلك تحمل القصائد الباقية أسماء شخصيات غير معروفة، مثل ريعو، عم الهوى، أولجا، مرزوقة، عم سيد بتاع الفول، عبده الجنون.. وكلها شخصيات هامشية ولكنى أنظر لها بزاوبة أخرى، فمثلاً شخصية أولجا كانت لسيدة تسكن بجوارنا فى حى شبرا، وكانت غير متزوجة، وتتعامل مع القطط كأنها أولادها، وتظل تحدثها طوال الوقت، وكنا ننظر لها وقتها كأنها مجنونة، وبعد أن كبرت نظرت لها بزاوية أخرى تحمل قدراً من الإنسانية والاختلاف نتيجة تراكم الخبرات، وبالتالى وضعتها ضمن قصائد الديوان، وجميع القصائد كتبتها خصيصاً للديوان باستثناء قصائد أمل دنقل وصلاح جاهين ومرزوقة.

{left_qoute_1}

■ هل وجدت عملية كتابة 29 قصيدة مرهقة ذهنياً، خاصة أن المعتاد أن تتم كتابة القصائد بشكل منفرد ثم يتم تجميعها فى كتاب؟

- طوال حياتى لم أدفع نفسى للكتابة أبداً، خاصة أن كتابة الشعر تمثل لحظة استثنائية فى الإبداع تختلف عن كتابة السيناريو أو المقال، ولكنى عندما كنت أستعيد الشخصيات فى ذهنى أجد منها من يفرض نفسه علىّ بشكل قوى، يدفعنى للكتابة عنها ولم أستسلم لكل من جاء فى ذهنى، واخترت الشخصيات التى أثرت فىّ بقوة فقط، والتى تمكنت من خلالها من الخروج من نطاق الخاص إلى براح العمومية والإسقاط على أحوالنا فى الفترة الحالية، فمثلاً شخصية صبحى الزبال، الذى كان ابنه يجلس بجوارى فى المدرسة ولم يكن هناك أى تفرقة فى التعاملات أو نظرة دونية له، وكيف كان يأتى لجلب الزبالة من الشقق فتعطيه والدتى كوب شاى، ويتناول الفطور فى الشقة المجاورة ويعمل باعتزاز بمهنته، وهو الأمر الذى افتقدناه فى سنوات تالية وباتت التعاملات بين أبناء الوطن الواحد تتخذ أشكالاً تفتقد الإنسانية والترابط.

■ ولماذا اخترت اسم «شبرا مصر» كعنوان للديوان؟

- الاختيار يرتبط بأن شبرا هى المنطقة التى نشأت بها وتربيت فيها، وأغلب الشخصيات التى كتبت عنها تنتمى لتلك المرحلة من حياتى، وفى الوقت نفسه يعكس الاختيار افتقادنا تلك الروح والأخلاقيات والتعاملات الإنسانية التى كانت موجودة فى حى مثل شبرا فى فترة ما، باعتبارها نموذجاً مصغراً لمصر، حيث يجتمع فيها طبقات مختلفة وتركيبات بشرية متباينة، وأطرح من خلال القصائد كيف كانت مصر «كوزموبوليتانية»، وكيف كانت العمارة الواحدة تضم فى سكانها ترزياً وأيضاً وكيل وزارة، وأطرح «اللخبطة» التى حدثت فى مصر بعد الانفتاح، فأنا لا أقدم شخصيات تأثرت بها شخصياً فقط، ولكنها شخصيات لها جذور فى مجتمع كان مترابطاً فى وقت ما وتغير الآن.

■ ولكن هناك ديوان للشاعرة إيرينى يوسف يحمل نفس العنوان.

- ديوانى عنوانه «36 ش الأفضل - شبرا مصر» وهو عنوان منزلنا القديم فى حى شبرا، ولم أعلم بشأن ديوان «إيرينى» إلا منذ ثلاثة أيام، وتواصلت معها وأوضحت لها أن عنوان «شبرا مصر» ليس ملكاً لها أو حكراً على شخص بعينه، فهذا اسم علم لمكان ولا يمكن أن يقتصر على كاتب واحد، وتفهمت «إيرينى» الموضوع، وانتهى الأمر، خاصة أن غلاف الكتاب تم تصميمه وطباعته منذ فترة، ولا مجال لتغييره حتى لو فكرنا فى ذلك.

{long_qoute_2}

■ لماذا تأخرت فى طرح الديوان الثانى لك؟

- أنا أنتمى لجيل مختلف عن الأجيال الحالية، فقد كنا طوال الوقت نعانى مما يمكن أن يسمى «رهاب النشر»، ونتعامل على أنه ليس من السهل نشر الكتاب، وهو بالنسبة لنا يعتبر وثيقة تظل باقية ومستمرة حتى بعد وفاة كاتبها، وبالتالى نعمل حسابها وندرك تماماً أهميتها وأنها محسوبة علينا، وضرورة أن يحمل الكتاب بين دفتيه مادة تستحق، وأن تتم مراجعتها بدقة وألا نقدم على نشر أى شىء يجول بخاطرنا، عكس الأجيال الحالية، فقد أقابل شاباً عمره 24 سنة ويخبرنى أنه أصدر الكتاب التاسع له! وهذا أمر أتعجب منه، ففى ديوانى الأول، الذى صدر 2014، وجدت معاناة كبيرة فى جمع وانتقاء القصائد التى نشرت به، والتى يعود بعضها لعام 1986.

■ كيف جاء اختيار توقيت طرح الكتاب؟ وكم من الوقت استغرقت فى كتابته؟

- بدات فى كتابته بمجرد طرح ديوانى الأول «رصيف نمرة 5» قبل أكثر من عامين، وكنت أكتب بشكل متقطع نظراً لارتباطى بكتابة عدة أعمال سينمائية ودرامية، وكان الاتفاق مع دار نهضة مصر للنشر على أن يتم نشره فور الانتهاء من كتابته مباشرة أياً كان الموعد، وبالفعل تزامن هذا الموعد مع معرض القاهرة الدولى للكتاب، ومن المقرر أن تقام أولى الندوات فى المعرض، على أن أقيم بعد المعرض حفلاً فى دار الأوبرا المصرية ألقى فيه بعض القصائد بمشاركة بعض الفنانين، وسيقوم صديقى الملحن والمطرب أحمد الحجار باختيار بعض القصائد لتلحينها وغنائها فى الحفل، ففى تقديرى أنه من الملحنين القادرين على تقديم أغنيات تحمل طابعاً درامياً، وقد تعاونت معه فى أكثر من أغنية فى السابق أشهرها «يعنى إيه كلمة وطن» فى فيلم «أمريكا شيكا بيكا».

■ ما أكثر قصيدة أرهقتك وانفعلت فى كتابتها؟

- قصيدتى عن سامى العدل، فقد كتبت له قصيدتين، الأولى بعنوان «نمرة على التليفون»، والثانية بعنوان «لسان العدل» والأخيرة تذكرت فيها كل تاريخ سامى العدل معنا وعلاقته بالناس، وكل من قرأها من عائلتى أكد أننى لخصت سامى العدل فيها، وبالفعل أرهقتنى كثيراً وقمت بإعادة كتابتها أكثر من مرة.

■ ماذا يمثل لك ميلاد ديوان شعرى وهل تتساوى فرحته لديك بميلاد عمل فنى فى السينما أو الدراما التليفزيونية؟

- بالتأكيد سعادتى بالديوان تفوق أى شىء آخر، فأنا عرفت فى البداية كشاعر قبل أن يتم طرح اسمى كسيناريست، والقصيدة هى الأقرب إلى قلبى، فهى تمثل صوتى المنفرد وأقدمها بنفسى وأتحملها بمفردى، فالأغنية يشاركنى فيها المطرب والملحن، والمسلسل أو الفيلم يشاركنى فيهما فريق كامل.

■ هل يمكن أن نعتبر أنك تستهدف الشباب بشكل أساسى من الديوان؟

- أتمنى أن يصل الديوان للجميع باختلاف أعمارهم، ولكنى فى جميع أعمالى وليس الديوان فقط أستهدف الشباب وأسعى للتفاعل معهم، وأتمنى أن أنقل لهم المزيد من خبراتى التى عشتها، خاصة أننى أشفق عليهم فى الوقت الحالى بسبب اتساع الفجوة بينهم وبين الأجيال المختلفة، خاصة أنه الجيل الذى تحمل الكثير من المشاكل فى الثورة وما بعدها ودفع ضريبة كبيرة ووجد نفسه فى النهاية مهمشاً، وأسعى لتقليل حجم هذه الفجوة سواء من خلال برنامج أقدمه أو سيناريو أو قصيدة أكتبها، خاصة أننى أدعى أننى أملك قدرة على التواصل مع الشباب، والجميع يدرك أننى لست محسوباً على أحد ولا أى نظام.

{long_qoute_3}

■ ماذا عن فكرة مسلسلك الجديد «لأعلى سعر».. وهل انتهيت من كتابته؟

- اقتربت من الانتهاء منه، أما عن موضوعه فقد شغلتنى خلال السنوات الأخيرة ظاهرة انهيار الكثير من الأيقونات والشخصيات التى كنا نراها عملاقة وكبيرة، بسبب أنها باتت مطروحة للبيع بأعلى سعر كما لو كنا نعيش فى مزاد كبير، بجانب طرح نماذج كثيرة مشوهة لجيلنا فى الإعلام بالتحديد، وساهم هذا فى ازدياد الفجوة بين الشباب وبيننا وبات لا يثق فى جيلنا، لأنه لم يجد فيه القدوة، وباتت النماذج الجادة والمشرفة لا يتم تصديرها فى الإعلام، وسقطت أقنعة عن الكثير من الناس كنا نراهم أبطالاً، بجانب انتشار الفساد بشكل قوى فى كثير من القطاعات التى لم نكن نتوقع وجود فساد بها، مثل القضاء والطب على سبيل المثال، وصار الفساد تصاغ له قوانين لتحميه، وهذا تقريباً ما تدور حوله الأحداث فى المسلسل دون الخوض فى تفاصيل كثيرة.

■ كيف جاءتك فكرة العمل؟ ولماذا اخترت نيللى كريم لبطولته؟

- بعد رمضان الماضى قررت تقديم العمل، خاصة أننى أحب نيللى كريم كممثلة، وأرى أنه تم تحميلها بأشياء كثيرة لا ذنب لها فيها، مثل أن يقال إن مسلسلها كئيب وألا يتقبل البعض العمل، بعد أن قدمت لهم أعمالاً «كسرت الدنيا» خلال 3 سنوات قبلها، وقاموا بنهش لحمها فى تقديرى، ولم يكن هناك اتساع صدر وأفق من البعض تجاهها، وهى التى أسعدتهم عبر 3 سنوات، فرأيت مع المخرج محمد العدل تقديم عمل لها.. وكان مسلسل «لأعلى سعر».

■ ماذا عن التعاون الثالث مع المخرج محمد العدل بعد «الداعية» و«حارة إليهود»؟

- تجمعنى بمحمد العدل كيمياء على المستوى الفنى والفكرى والعملى، بعيداً عن ارتباطنا العائلى، وقد عملنا معاً فى أكثر من عمل، حيث كان مساعد مخرج فى مسلسل «محمود المصرى» وهو فى المرحلة الثانوية، وكذلك قام بإخراج 6 ساعات من «الشوارع الخلفية» كـSECON UNIT، إلى جانب العملين اللذين ذكرتهما، وأثق فى أن تعاوننا يثمر بشكل مميز دائماً.

{left_qoute_2}

■ البعض يرى أن الواقع بات يتجاوز خيال كتاب الدراما فى قسوته ودمويته.. هل تتفق مع هذا الرأى؟

- بكل تأكيد.. ففى بعض الأحيان كنت أتردد فى كتابة تطورات معينة لشخصيات درامية بحجة أنه ليس من المعقول أن تأتى بتلك الأفعال، وأن المشاهد لن يصدق هذا، ولكن بمجرد استدعاء الواقع وما يحدث فيه يختفى التردد تماماً، فما نراه فى الواقع الآن تجاوز بكثير خيالنا كمؤلفين، فالفساد مثلاً صار مستشرياً بشكل جعل الناس تعتاد على وجوده، ولا تندهش من حجمه وتتعايش معه، وأذكر أنه فى الماضى كان أقصى قدر للفساد أن يكون هناك شخص يملك كوبوناً للبنزين زيادة، أو أن يحصل على فراخ زيادة من الجمعية التعاونية تفوق حصته، هذا كان نموذج الفساد السائد فى الستينات، الأمر الذى جعلنا نسخر من واقعنا ونترحم على «زمن الفساد الجميل»، وهذا مؤشر خطير أن ترى أعيننا القبح فى كل مكان وتعتاد عليه.

 


مواضيع متعلقة