ترك منصبه كنائب لرئيس الوزراء «مستقيلاً»، وفى رواية أخرى «مقالاً» بعد سلسلة من المشاحنات دارت بينه وبين شباب الثورة الذين لم يعجبهم أداؤه فى الوزارة فهاجموه، ولم يصمت هو على الهجوم وردّ بدوره. وما بين الهجوم والرد خسر الدكتور يحيى الجمل جزءاً كبيراً من الرصيد الذى كان يتمتع به فى الشارع السياسى، كما فقد جبهة كبيرة من المناصرين رأوا فيه قبل ثورة يناير وجهاً معارضاً يصلح لأن يعبر عن الثورة التى شقت طريقها فى الأيام الأولى بتصميم وعزم، وفرضت على رئيس الوزراء الفريق أحمد شفيق أن يجرى تعديلاً وزارياً بعد أيام قليلة مرت على رحيل مبارك. وأن يختار فى وزارته الجديدة وجوهاً قريبة إلى الشارع، فكان الدكتور يحيى الجمل.
دخل الجمل وزارة شفيق الثانية كنائب له فى 20 فبراير 2011، حاملاً على ظهره تاريخه السياسى والفكرى. هو الفقيه الدستورى المولود فى 1930 بالمنوفية. شغل العديد من المناصب الحكومية والأكاديمية، قبل أن يتفرغ للحديث عن الدستور ومواده، هاجم التعديلات الدستورية التى أجراها مبارك فى عام 2007، وشارك فى تأسيس حزب الجبهة الديمقراطية، وبعد قيام الثورة أقبل على منصبه الجديد كنائب لأحمد شفيق بشهية مفتوحة، وواصل العمل بنفس الإقبال بعد رحيل شفيق وتكليف عصام شرف بتشكيل حكومة جديدة حافظ فيها على منصبه كنائب لرئيس الوزراء.
ثباته فى منصبه مع تغيير رؤساء الوزراء، وعلاقته القوية بالمجلس العسكرى الذى يضم خيوط اللعبة كلها بين أصابعه، دفعه لأن يؤمن بصعوبة زحزحته عن مكانه «أنا كالطود الراسخ لا يمكن الإطاحة بى» هكذا صرح رداً على شباب الثورة الذى تناقلوا خبراً فى أبريل قبل الماضى بإعفائه من منصبه بعد عدة أزمات أثارتها تصريحاته، كان من أهمها قوله بعد الاستفتاء على التعديلات الدستورية «لو ربنا اترشح وأخد 70% يحمد ربنا»، وهو التصريح الذى جرّ عليه العديد من المشكلات لم يكن أقلها تقديم عدد من البلاغات ضده للنائب العام يتهمه مقدموها بالعيب فى الذات الإلهية، ولا أكبرها خروج مليونية ضده فى التحرير ضمت سلفيين وإسلاميين تطالبه بالاستقالة.
وكـ «الطود الراسخ» واصل الجمل عمله فى منصبه متجاهلاً المشاعر العدائية التى راحت تتصاعد ضده مع دعوته لعدد من رموز الحزب الوطنى المنحل فى جلسات الحوار الوطنى التى أسندت إليه. ولم يحرك ساكناً عندما هتف ضده عدد من شباب الثورة «خيبة الأمل راكبة جمل»، فقد عبروا عن خيبة أملهم فى الرجل الذى توقعوا منه الكثير فإذا به يعمل ضد الثورة، الأمر الذى دفعهم لاتهامه بأنه جزء من «الثورة المضادة».
هجوم الثوار على الجمل أفقده الكثير، فقد تم سحب ملف الحوار الوطنى منه وإسناده للدكتور عبدالعزيز حجازى قبل أن يعلن الدكتور عصام شرف قبوله استقالة نائبه فى 12 يوليو الماضى بعد مظاهرات عنيفة شهدتها القاهرة، طالبت وقتها بإقالة الوزارة التى خاب أمل الجميع فيها هى أيضاً، ليختفى الجمل تماماً من المشهد السياسى لما يقرب من عام كامل، ثم يعود مرة أخرى ليجتمع بالدكتور الجنزورى وممثلين من المجلس العسكرى لمناقشة الإعلان الدستورى المكمل والجمعية التأسيسية التى ستضع الدستور الجديد.