مواطنون يقفون على الأبواب فى انتظار «الخير»: هو اتأخر كده ليه؟

كتب: محمد غالب

مواطنون يقفون على الأبواب فى انتظار «الخير»: هو اتأخر كده ليه؟

مواطنون يقفون على الأبواب فى انتظار «الخير»: هو اتأخر كده ليه؟

«ظروف مادية صعبة، حياة قاسية، وأحلام لا تتخطى إلا مرور اليوم بالستر بلا جوع ولا برد ولا مرض».. هكذا يعيش الفقراء فى ظل ظروف صعبة جعلت من المساعدات الخيرية منقذاً لهم ومخرجاً من العديد من الأزمات، وذلك قبل أن تقل التبرعات التى كانت تأتيهم من الجمعيات الخيرية والمتطوعين بسبب الأزمة الاقتصادية وارتفاع الأسعار، وضع اقتصادى صعب تعيشه مصر جعل منافذ المساعدات تُغلَق فى وجوه الفقراء الذين كانوا يقفون على أبوابها كل أول شهر فى انتظار المساعدة التى تدخل الفرح إلى قلوبهم الحزينة.

تجولت «الوطن» فى العديد من المناطق الشعبية والعشوائية ورصدت معاناة المحتاجين من نقص الإمدادات التى كانت تعينهم على الحياة..

{long_qoute_1}

كانت جيهان محمد تجلس مع مجموعة من النساء، أمام بيوتهن، توفى زوجها منذ خمس سنوات، وترك لها ابنة تحمل هم تجهيزها: «الحياة صعبة والدنيا بقت غالية، بنتى كبرت ومحتاجة أشترى لها حاجات عشان أسترها، كان فيه ناس بتيجى وتجيب لنا مساعدات لكن وقفت من يوم الغلا اللى طاح بالبلاد».

تتساءل «جيهان»: «هى الناس اللى بتتبرع فى الجمعيات، فى الآخر مبنشفش حاجة ليه؟ لفيت على الجمعيات كلها فى شهر 11 عشان جهاز البت، يقولوا لى فيه عدد محدود، لا منحة ولا مساعدات».

{long_qoute_2}

«كرتونة» من «بنك الطعام»، كانت تأتى لـ«جيهان» من حين إلى آخر: «الحمد لله فضيت، مفيهاش حاجة زى الأول، لا زيت ولا سكر ولا علبة سمنة ولا حتى رز، فين أيام زمان.. ده كان بييجى لنا شنط كتير».

على بُعد خطوات من «جيهان» كانت تجلس نحمده جبريل، تقول بصوت مرتفع: «ده كان فيه حاجّة على اتصال بيّا، كانت تبعت لأى عروسة مساعدة جواز، اتصلت بيها، قالت لى بطلت معدش فيه، الست بطلت تبعت»، تشكو «نحمده» من الغلاء، ومن اضطرارها لاقتراض السكر من جيرانها، وذلك حينما يأتيها ضيوف فجأة ولا يوجد فى بيتها حبة سكر: «السكر غالى، مفيش فلوس، يدوب نجيب الكيس ونخاف ناخد منه ليخلص ومنعرفش نجيب غيره».

تحكى «نحمده» عن المساعدات التى انقطعت منذ فترة، سواء تبرعات مالية، شنط طعام، بيوت كالتى ساعد فى بنائها عمرو الليثى، ومساعدات جمعية «رسالة» فى البيوت والخدمات العامة، تتساءل: «قطعوها ليه؟ إحنا أصلاً عندنا معاش؟ ده أنا بشتغل، وجوزى بيشتغل على عربية فى الموقف، وبنتى بتشتغل وعيالى بيشتغلوا، ومش مكفيين، نكفى إيه.. ده إحنا عايزين أكتر من 100 جنيه فى اليوم عشان نعرف نعيش».

تتذكر منذ فترة عندما كانت تأتيهم شنط الخير بالمنطقة كل عدة أشهر، انقطعت من شهر رمضان الماضى: «كنا الأول نبص نلاقى عربية داخلة بلحمة، عربية داخلة بشنطة خير، نقول بركة، كنا نعتمد عليها، ونقول خير جاى لنا من عند الله، دلوقتى الدنيا واقفة مع الكبار، طب إحنا نعمل إيه؟ ده أنا معايا عروسة مش عارفة أجهزها».

ظروف صعبة لا تختلف كثيراً عن سابقيها تعيشها نشوى عبدالعزيز، التى اضطرت إلى رفض كل العرسان الذين تقدموا لابنتها لعدم قدرتها على شراء شىء من الجهاز: «أجهزها منين، إحنا لاقيين ناكل، إحنا بنستلف عشان الدنيا تمشى»، أما عن شنط الخير التى كانت تصلهم: «مش عايزين يجيبوها، ولما بتيجى بتنقص النص، طب الجمعيات بتلم تبرعات ليه؟، ليه منعوا الزيت والسمنة، والرز بقى 2 كيلو بدل 4، خلاص مبقاش معاهم، الدنيا مقصرة مع الكل».

حياة صعبة تعيشها «أم محمد» مع زوجها الأرزقى وأولادها، فلو مرض زوجها يوماً ولم ينزل إلى عمله لا تجد ثمن العيش: «عايشين يوم بيوم ومش عارفين نعيشه كمان، والمساعدات اللى كانت بتجيلنا وقفت، ودلوقت العيال كبرت اللى فى مدرسة واللى على وش جواز».

شهرياً كانت «أم محمد» تحصل على شنطة من «بنك الطعام» لكنها منذ نحو شهرين توقفت دون سبب: «أكيد عشان الحاجة غليت، آخر مرة خدتها مكنش فيها سكر ولا زيت ولا سمن». أمام المصاطب المعدة أمام مداخل البيوت الشعبية تجلس النساء ليتحدثن فى أمور الحياة الصعبة ومشاكلها، مترقبات دخول أى سيارة تبحث عن فقراء لمنحهم أى مساعدات، وحسب «أم طلعت»: «عندى 10 عيال، وزوجى عنده جلطة فى رجله، وميقدرش يشتغل، ماشيين على الله واليوم بيومه، كانت تيجى لى مساعدات وشنط، كانت تنفع معانا، بعد ما كل حاجة غليت والله يا ولدى مفيش».

المساعدات التى يحتاجونها فى المناطق الفقيرة، ليست أموالاً أو شنط طعام فقط، هناك مساعدات من أجل توصيل مواسير الصرف الصحى، وترميم البيوت، وعمل دورات المياه، تقول سماح على: «فى 2011 جات جمعية رسالة عملوا صيانة للبيوت، لكن من ساعتها محدش جه شافنا، وعايزين صرف صحى عشان عايشين على الطرنشات محدش سأل فينا». مؤكدة أن الغلاء أثر على الكل، حتى إنها أخرجت ابنها من المدرسة ليعمل صبياً فى ورشة ميكانيكا، أما ابنتها فغير قادرة على تجهيزها: «إحنا بنموت بالبطىء».

بخطى متثاقلة كان أحمد سيد محمد، عامل النظافة، يسير فى طريقه إلى بيته، رفض ركوب أى وسيلة مواصلات لتوفير «الفكة»، التى لا يملك غيرها داخل جيبه، جسده منهك وظهره انحنى للأمام ووجهه مكفى على الأرض، مثلما مال حظه، فالتبرعات والأموال والسيارات التى كانت تقف له لتعطيه «حسنة» أثناء عمله بالشارع قلت كثيراً: «زمان كان حد يديلى من هنا، حد يجيبلى من هنا، اليومين دول مفيش حاجة خالص، مفيش بح، نشفت على الكل».

طوال سيره، ينظر على الأرض، يبحث عن الكراتين الفارغة، ينتشلها ويجمعها، لبيعها بعد ذلك: «بحاول فى أى حاجة أهو احسن من الفشل، لكن والله من الصبح ما فيه جنيه دخل جيبى، زمان الـ10 جنيه كانت حاجة كبيرة، دلوقتى ملهاش قيمة ومش لاقيها». لدى «عم محمد» 5 أبناء 4 منهم بالمدارس: «ربنا يعيننا عليهم، والله مقصرتش معاهم، ده أنا بمشى على رجلى مسافة طويلة عشان ماركبش مواصلات لحد بيتى فى شارع عامر بمنشية ناصر، عشان أوفر الجنيه وأقول ولادى أولى بيه». عن تلقيه أى مساعدة من الجمعيات الخيرية يقول «أحمد»: «إحنا أول ناس مطرودين منها، بيدوا ناس معينة، الستات وذوى الاحتياجات الخاصة أما أنا لأ، ده لما بييجوا يوزعوا كراتين بتبقى الدنيا زحمة موت وكله بيجرى وعايز يحلق على كرتونة».

فى منطقة شبرا الخيمة، كانت كريمة حسين، بائعة الطعمية تقف أمام فرشتها مع شقيقتها، تتحدث مع الزبائن عن الغلاء الذى طالها وطالهم، يقول أحدهم لها: «احمدى ربنا إن إنتى فلتّى بجوازتك، ده إنتى اتجوزتى قبل الغلاء على طول». تتذكر «كريمة» أسعار جهازها، وأسعار الطعام قبل وبعد الزواج، ومساعدات الناس لها ولمن فى مثل حالها، ثم تترحم عليها لأنها لم تعد على حالها: «كل حاجة زادت النص، الأسعار أثرت علينا أوى ومش قادرين نعيش، حتى المساعدات اللى كانت بتجيلنا من بعض الجمعيات الخيرية قلت كتير، تقريباً مفيش، واللى كان يدى 100 جنيه، بقى يدى 50 جنيه».

تروى «كريمة» عن جمعيات كانت تساعد من هم دون عمل بشراء تروسيكلات لهم، أما الآن فقد توقف الأمر، ويأتى الرد: «التروسيكلات غليت»: «حتى الشهريات مش زى الأول، كل واحد يقول أنا أولى، وواحدة قالت لى الشنط بقت تكلفنى أوى أنا هوزع فلوس أحسن وأوفر ليّا وكل واحد يشترى اللى هو عايزه، محدش قادر.. الناس كلها بتعانى».


مواضيع متعلقة