عيناها لم تتحولا عن قفص الاتهام سوى لحظات.. تتجه نحو المنصة التى يجلس عليها المستشار أسامة شاهين، رئيس محكمة جنايات شمال القاهرة، الذى بدأ فى تلاوة الأحكام على الضباط المتهمين بقتل ابنها محمد مصطفى الشهيد الوحيد أمام قسم شرطة المرج أثناء ثورة 25 يناير.
عندما تلا القاضى الحكم ببراءة 5 متهمين بالسرقة وأعمال البلطجة فى بداية الجلسة كانت تحدق ببصرها فى القاضى ثم تهمس فى أذن زوجها الذى يجلس بجانبها فى قاعة المحكمة وكأنها تخبره بحكم البراءة قبل النطق به.
وصل القاضى إلى قضية قتل المتظاهرين ونادى على المتهمين فى قفص الاتهام، عندها وقفت والدة الشهيد لتتأكد من ملامح المتهمين وهم يرفعون أيديهم لإثبات حضورهم، وقبل أن تجلس فى مكانها سمعت القاضى يقول: «براءة»، فصرخت قائلة: «حسبى الله ونعم الوكيل.. ابنى مات النهارده.. المتهمين براءة وهما اللى ضربوا ابنى بالرصاص فى الشارع قدام نادى المرج الرياضى».[FirstQuote]
والد الشاب اقترب من زوجته وحاول تهدئتها بعدما سقطت على الأرض وهى تقول: «ابنى مش حرامى ولا بلطجى.. ابنى كان طالب جامعى ودمه راح هدر».
«الحكم ده طلع المتهمين اللى إديهم ملطخة بدماء الشهداء براءة» بهذه الكلمات وصفت منى جابر، والدة الشهيد، الحكم الصادر ببراءة 3 ضباط وأمين شرطة من قتل نجلها وإصابة 18 آخرين، مؤكدة أنها كانت تنتظر من القاضى أن يعطى أحكاماً رادعة للمتهمين لأن جميع الأدلة وشهود العيان والمصابين حضروا أمام المحكمة واعترفوا بأنهم شاهدوا المتهمين وهم يطلقون الأعيرة النارية على المتظاهرين أمام قسم شرطة المرج، مما أدى إلى مقتل نجلها الذى حاول الابتعاد عن قسم الشرطة لكن المتهمين استمروا فى ملاحقته حتى قتلوه أمام نادى المرج الرياضى.
«أنا عارفة إن الناس بتنظر إلى الشهداء اللى ماتوا قدام أقسام الشرطة على إنهم متهمين ومسجلين خطر وعملوا كده علشان يهرّبوا المساجين، لكن ابنى مش بلطجى ولا كان معه سلاح، وكان طالب فى السنة الثالثة فى جامعة المستقبل».. بهذه الكلمات شرحت والدة الشهيد ما كان يحدث أمام أقسام الشرطة، موضحة أن نجلها «كان من بين الثوار الذين نزلوا فى 25 يناير عام 2011 أمام دار القضاء ثم توجه مع المتظاهرين إلى ميدان التحرير، واستمر فى اعتصامه حتى اتصلت به فى يوم 28 يناير وطلبت منه أن يحضر وبعدما وصل إلى المنزل وجدته مصاباً فى يده اليمنى وعندما طلبت منه عدم النزول مرة أخرى قال لى: «يا امه لازم الفساد ينتهى ويرحل النظام الظالم».[ThirdQuote]
وبعد مرور قرابة نصف ساعة تلقى اتصالاً هاتفياً من مجموعة من زملائه الذين طلبوا منه النزول للمشاركة فى تظاهرة أمام قسم شرطة المرج، لكنى أغلقت الباب ووقفت أمامه لمنعه من النزول، لكنه قالى: «يا امه أنا مش هتأخر.. وبعدين إنتى عاجبك الظلم اللى عايشين فيه من 30 سنة؟ مش شايفة أختى مها اللى تخرجت من كلية الهندسة من 6 سنين ولسه بتدور على شغل؟»، وبعد ما نزل بقرابة ساعة سمعت الجيران بيقولوا: فيه ضرب نار قدام القسم.. ساعتها قلبى اتخطف.. نزلت أجرى فى اتجاه القسم لحد ما لقيت ابنى عبدالله بيصرخ فى الشارع وبيقول: ضربوا اخويا بالنار.. ولما شفت ابنى فى غرفة العناية المركزة فى مستشفى المطرية العام عرفت إنه خلاص انتهى».[SecondQuote]
«18 جلسة حضرتها منذ بداية محاكمة المتهمين حتى النطق بالحكم، لكنى فوجئت بهذا الحكم.. عندها شعرت أن ابنى مات النهارده».. حكت والدة الشهيدة رحلة المحاكمة التى ضاع فيها دم نجلها، مشيرة إلى أن المتهمين قتلوا نجلها بـ4 طلقات ثم أصابوا 18 مصاباً بينهم قرابة 12 أصيبوا بعاهات مستديمة، وعندما تزايدت أعداد المتظاهرين السلميين أمام قسم الشرطة، تمكنوا من خلع ملابسهم العسكرية وتبديلها بملابس مدنية ونجحوا فى الهروب من أعلى ديوان القسم إلى نادى المرج الرياض بعدما أشعلوا النيران فى القسم لتبرير جرائم القتل التى نفذوها ولإلقاء الاتهامات على المتظاهرين بأنهم حاولوا اقتحام القسم وأنهم كانوا فى حالة دفاع شرعى عن النفس.
«ضهرى اتقطم بعد رحيل ابنى البكرى محمد، كان إنسان محبوب ومتدين وعمره ما عمل حاجة غلط».. بهذه الكلمات بدأت منى تتحدث عن فلذة كبدها، مشيرة إلى أن زملاءه وجيرانه أصيبوا بصدمة كبيرة عندما عرفوا بوفاته، وأنه كان متفوقاً فى دراسته ومهتماً بما يحدث فى الأوضاع السياسية وكان دائماً يتحدث عن تزوير الانتخابات، وأنه أخبرها فى يوم 20 يناير بأنه سينزل يوم 25 يناير للاعتراض على تردى الأوضاع الاقتصادية والسياسية فى البلد، وبدأ فى مشاركة زملائه فى الاحتجاجات التى اندلعت شرارتها الأولى فى الخامس والعشرين من يناير وشارك نجلها لمدة 3 أيام وبعدها فارق الحياة بعدما أصيب بالرصاص أمام قسم شرطة المرج.