بين «الحياة» و«الموت»: إيه إلى رماك على «عيشة المقابر» يا «عم أحمد»؟ بجيب م الآخر
بين شواهد القبر الذى يقيم فيه و«عفار التراب» الذى يملأ الجو، يشعر بأمان وسلام داخلى، فالبعد عن الأحياء أسلم طريقة للوصول إلى الصفاء النفسى الذى يشعر به، سنوات طويلة قضاها فى «تُرب باب النصر»، ينير ظلمة الليل بصوت خافت ينبعث من «كشاف موبايل» ويقطع وحشة المكان بصوت «أم كلثوم» الذى يأنس به.
هو أحمد محمود صالح، الذى اختار بإرادته أن يقيم بين الأموات، لكنه بين وقت وآخر يشتاق إلى الأحياء، إلى أصواتهم وروائحهم وطَرق أقدامهم، اعتاد الرجل السبعينى على ألا يتحدث كثيراً بحكم طبيعة من يجاورهم، لكنه عندما يعثر على شخص تطأ قدماه تلك الأرض يسترسل معه فى الحديث دون توقف، يحكى «عم أحمد» -دون أن تسأله- عن والدته التى كانت تراه شبيهاً بمحمد رضا بهلوى، شاه إيران، فأطلقت عليه أحمد الإيرانى وصار هو اسم شهرته الذى يناديه به الجميع، يحكى أيضاً وهو يضحك بصوت عالٍ كيف أن والدته ظلت تحلم بلقاء ومخاطبة «شاه إيران» عسى أن ينقذها وابنها من الفقر المدقع الذى يعيشان فيه.
يرتشف «عم أحمد» من كوب شاى بارد يضعه إلى جواره، ويواصل الحكى: «سنين طويلة مخرجتش من الحوش ده.. قاعد فى أوضة 2 متر زيى زى اللى عايش معاهم.. ده أنا كمان زيهم مابشفش الشمس ولا أقدر أفتح عينى فيها».
«سرير وراديو وحلة».. هى كل ما يمكله الرجل العجوز، ومع ذلك يشعر أنه أغنى رجال الأرض: «كلنا زى بعض ماحدش هياخد منها حاجة.. أنا هموت وأسيب الراديو والسرير والحلة وغيرى هيسيب القصر والمرسيدس والفلوس المتلتلة». يضحك «عم أحمد» وهو يحكى عن أيام زمان وبركتها، عندما كان يساعد والده فى حراسة «الحوش»: «كان الزبون لما يدينى نص جنيه.. الفرحة ماتسعنيش وناقص أتصور جنبه».
موقع «عم أحمد» يجعله بعيداً عما يحدث فى الشارع السياسى، لكنه يعرف تماماً ما تشهده مصر من تغير، وله تفسير لما آلت إليه الأوضاع فى عهد الرئيس مرسى: «إوعوا تكونوا فاكرين إن الهيصة اللى حصلت دى ثورة.. ثورة إيه لما الفقير لسّه فقير.. لما الكبير مش لاقى ياكل والصغير مش عارف يتجوز»، يزداد صوت «عم أحمد» ارتفاعاً وهو يقول: «أنا الدليل على إن اللى حصل فى التحرير مش ثورة.. لما الحى يعيش وسط الأموات يبقى دى مش ثورة».
«كل حاجة فى حياتنا غليت إلا الإنسان».. قالها «عم أحمد» وهو يضرب كفاً بكف: «حتى الموت غلى روحى شوفى سعر متر التُّربة وصل لكام دلوقتى».
يدا «عم أحمد» اللتان ارتعشتا قليلاً أجبرتاه على التوقف عن الكلام، ودون استئذان أدار ظهره وهو يتمتم بشفتيه ويضبط مؤشر الراديو على صوت «أم كلثوم».