أمينة خيرى تكتب: براغيت وأنتخة وزروطة

كتب: أمينة خيرى

أمينة خيرى تكتب: براغيت وأنتخة وزروطة

أمينة خيرى تكتب: براغيت وأنتخة وزروطة

سادت الأنتخة، وعم الاستكنياص، وتسيد تكبير الجى، وهيمنة ترويق الدى، وعمت أرجاء المدينة رائحة عجيبة غير معروفة المصدر، تشمين الأولاد فتجدين رائحة عطب عجيبة، تستنشقين النسيم، فتفاجئين به معبئاً بصنوف العطن والزنخ، تهربين إلى داخل البيت، فتباغتك خلطة سحرية هى مزيج من الذفر والعفن وقليل من الصنان، تأخذين حماماً أملاً فى التخلص من هذه الأجواء الكريهة وتفتحين الدولاب لترتدين ملابس نظيفة فتصدمك تلال الملابس المستخدمة المكورة والمكومة وقد ظهرت عليها الطحالب واستأنست بها القوارض، تقفزين فى السرير عله يكون كابوساً ينقشع بعد الاستيقاظ، فتدفعك رائحة الكمكمة من حيث أتيت! تدخلين غرفة الأولاد، علها تكون أفضل حالاً، وربما تحصلين فيها على قدر من الراحة بينما هم فى المدرسة، فتجدينهم يغطون فى نوم عميق، توقظين كبيرهم لتستفسرى منه عن سبب غيابهم عن المدرسة، فيجيبك دون أن يفتح عينيه: «أيوه بقى! بابا نسى يصحينا الصبح»! تنظرين إلى ابنك الوسطانى، فتفاجئين بقوامه الرياضى وقد اكتنز لحماً وامتلأ شحماً وبرز كرشاً كبيراً من بيجامته التى أكلتها البراغيت وبال عليها الـ«بق» (حشرة الفراش)، تهرعين إلى آخر العنقود السكر المعقود الشهير بـ«عبقرينو» المدرسة، فتجدين شهادة الدرجات وقد امتلأت كحكاً وفاضت تعليقات المعلمين شجباً وتنديداً بالإهمال والخيبة ذات الويبة، تقررين دخول المطبخ لتجهيز فنجان من الشاى يعدل المزاج المعتل ويضبط المود المنفل، تفتحين الباب فتجدين مقاومة عنيفة، وبعد محاولات ينفتح الباب بصعوبة حيث أكوام من مخلفات البرغر، وتلال من بقايا البطاطس المحمرة والحلويات المدمرة، تتكشف أمامك العوامل التى حولت غصن ابنك البان إلى ما يشبه الباب، ترزعين الباب غضباً وكمداً وتذهبين صوب الحوض حيث أقصى درجات الزروطة وأقسى أشكال اللخبطة.

{long_qoute_1}

تهدئين من روعك قليلاً بتذكر أن ما يجرى فى داخل بيتك ليس حكراً عليك أو مقتصراً على عائلتك، فالأجواء فى الشارع لا تختلف كثيراً عن تلك التى فى البيت، تتصلين بزوجك هاتفياً للاستفسار عن سبب وجود الأولاد فى البيت فى أثناء اليوم الدراسى، فيرد بصوت هادئ واثق: «نسيت أصحيهم الصبح»، تطرحين السؤال بشكل مغاير: «ولماذا نسيت؟» يرد بتلقائية: «نسيت أضبط المنبه»! تطرحين المزيد من الاستفسارات: «وما سر هذا الكم من بقايا المأكولات السريعة الخاربة للجيوب والصحة؟» رد وقد بدأ صبره ينفد: «أسهل من الوقوف فى المطبخ، هين قرشك ولا تهين نفسك». فزنقته قبل أن يهرب سائلة: «وماذا عن تمارين الأولاد؟ لقد تختخوا وزقلطوا»، رد بنبرة رقيقة تعرف أنها مهربه فى أوقات الزنقة، قال: «يوه! نسيت»، وقبل أن يسترد جبروته ويستعيد دفاعه الهجومى سألته: «وبالنسبة لمذاكرة الأولاد والدروس الخصوصية؟ أرى كثيراً من الكحك!» عاد لسابق عصبيته واستعاد كل عدوانيته وهب فيها: «وأنا يعنى هاعمل إيه ولا إيه؟ أغسل ولا أكوى ولا أطبخ ولا أودى تمارين ولا أشوف مذاكرة ولا أشتغل؟ انت فاكرة نفسك متجوزة إيه؟ أنا مش مرمطون ولا خدام»، وانفجر باكياً ناعياً حظه ناقماً على غيره من الرجال ممن لم يتزوجوا مستصرخاً فيها روح الجدعنة علها ترحمه وتشفق عليه وترثى لحاله، لكنها لم تفعل، كل ما حصل هو أنها طالبته بترك العمل فى حال فشل فى التوفيق بين مهامه المتعددة، وذكرته بأنه إن أراد أن يحتفظ بعمله، فعليه أن يدبر وقته وجهده حتى لا يؤثر ذلك سلباً على أدائه فى البيت، وأسمعته معزوفة نجاح العمل الذى لا يعنى نجاح البيت، حيث نجاحه كمحاسب فذ وتميزه فى مجاله لا يعنى بأى حال من الأحوال أنه بالضرورة أب معقول أو زوج جيد يملأ عينيها، وعرجت إلى رائحة الثوم التى تشمها فى يديه، وشعره الأشعث، وملابسه المبهدلة التى كثيراً ما تدفعها إلى البصبصة للشباب الأصغر سناً والبسبسة للرجال المحتفظين بجمالهم ولياقتهم، لأنها لا تجد فيه ما يسعدها، كما لم تنس أن تذكره بموقعه بالنسبة إلى جورج كلونى وأنريك إيجلاسيس وديفيد بيكهام، واستفاضت فى التمعن فى مواطن الجمال لديهم، ومصادر الإثارة فيهم، ومنابع الوسامة فى عيونهم حتى وصلها دخان الغيرة عبر أثير الهاتف، وحين تأكدت تماماً من أنها أشعرته بالدونية، وذكرته بكرشه المتهدل وتجاعيده الغائرة ووسامته التى هرستها سنوات الزواج، أنهت المكالمة وقد تملكتها فرحة الانتصار وتمكنت منها مشاعر تخليص الحق، الحق الضائع الذى استعادته النساء فى يوم عيدهن بالتوقف الجماعى عن كل الأدوار التى يقمن بها على مدى دهور دون تقصير أو عويل أو تفريط أو مطالبة بتحسين ظروف المعيشة الهبابية، أو التخلص من متلازمة الزوج المصرى والكرش، أو معايرته بنجوم الوسامة وملوك العضلات المفتولة وسلاطين القدود المستحكمة هو حق أصيل، لكن مسكوت عنه، ولأن الساكت عن الحق شيطان أخرس، فقد وجب التنويه إلى أن الأدوار المتشابكة والمتقاطعة والمتكاثرة التى تقوم بها المرأة تستعصى على أقوى الرجال وأعتاهم، غابت النساء عن البيوت يوماً، وتوقفن عن القيام بأدوارهن قليلاً، فبات حموم الأولاد منسياً، وأكلهم رفاهية، والعناية بالبيت وشئونه مستحيلة، ورائحة الأنتخة ومشاعر الاستكنياص فى كل صوب وحدب.


مواضيع متعلقة