بروفايل| «شاعر الكوخ».. محمود حسن إسماعيل «النهر الخالد»

كتب: عبدالله شريف

بروفايل| «شاعر الكوخ».. محمود حسن إسماعيل «النهر الخالد»

بروفايل| «شاعر الكوخ».. محمود حسن إسماعيل «النهر الخالد»

نسمة هواء تطفئ نارا أشعلت قلبه، ونظرة إلى النهر الخالد ينساب يغذي قرية «النخيلة» في أسيوط كفيلة بإرساله إلى العالم الآخر إلى بعد غير مرئي يسميه «البعد السابع»، حيث تتساقط الكلمات كوحي من السماء، يا «محمود» اختر ما شئت واكتب «يا نيل يا ساحر الغيوب يا واهب الخلدِ للزمانِ يا ساقي الحبِ والأغاني هات اسقني واسقني ودعني أهيم»، «أنا في غارك المغلف بالظلْمة أسيان مثقلٌ بالشقاء».

محمود حسن إسماعيل، بين كلماته الموزونة تصلك رائحة طين الوطن تختلط بماء النيل، روح صعيد مصر ممزوجة بجمال اللغة بانفعالات صوته الجهوري، تارة يثير الدماء في عروقك ويحثك على مواجهة الظلم «ماتَ عهدُ الكلام! فَلْنجعل الثّورةَ والموتَ للجهادِ شِعارا»، وتارة يأخذك في جمال الطبيعة يهدئ من روعك «في الضحى والشعاع جاثٍ على النيل كما خرّ ساجد في صلاتهْ.. والرّيا حينُ ناهلات منَ الطل.. رحيق الصهباء من قطراتهْ».

كان يرى أن الكلمات تتنزل عليه يقول «إن تسل في الشعر عني.. هكذا كنت أغني هو من روحي لروحي صلوات وتغنّي، يلهم الله.. فيمضي وتر الروح يغني».

في كوخ خال من الكتب سوى المصحف، ووسط أنغام جنائزية ولد الشاعر، اخترقت آيات الكتاب صدره فحفظه قبل العاشرة من عمره، ولازمته العربية وعشق وزن الكلمات وصفا وغزلًا، ولم يكتب سوى الشعر.

طبع النيل الملامح المصرية على وجهه، أسمر وشعر مجعّد وعينان تغذيهما شعيرات حمراء وقوة وصلابة في الجسد، بتلك الصورة انتقل إلی القاهرة والتحق بكلية دار العلوم والأدب، وتخرج فيها 1936م، وقبل التخرج أطلق ديوانه الأول «أنغام الكوخ» وعاد فيه إلى أصله إلى الأرض وامتزج فيه بالطبيعة التي بذر فيها الزرع وحصد الحب والجمال والبساطة، دعا خلاله إلى التخلي عن الاستعباد، وإلى السمو بالإنسانية يقول «فان شجري قطعته أيادي الخريف.. ربيعي سيحييه غض القطوف، وزهري أسقطته الرياح، سيأتي مع العطر عند الصباح، مع الحب ينبت في كل فجر».‏

ويكتب عن ديوانه الأول: «عشت القرية بروحي و جسدي، وديواني يمثل إحساسي بالرفض لعالم القرية الذي يخيم علیه الرق والمسكنة والتجبر والمغايرة الشنيعة بين إنسان وآخر في كل شيء».

بتلك الروح الوثّابة للعدل والجمال، رسم شخصية ومسيرة لها جذور في أرض الوطن، كونها من قصاصات الشعر في الجرائد وبعض الكتب، واختار الدفاع عن الحق ومواجهة الظلم، وكان يرى الشاعر حالة خاصة ينتقل من الحواس الخمس والحاسة السادسة إلى بعد سابع تتجلى فيها الكلمات والمعاني، وتصل فيه آثار صراعات الإنسان في حياته وتجاربه وتذوب وتتكون من جديد صافية من الشوائب.

يعود إلى النيل في كل شيء حال الحرب وحال الحب، فها هو يقول إبان الاعتداء‌ الثلاثي الغادر علی مصر عام 1956م «أنا النيل مقبرة الغزاة، أنا الشعب ناري تبيد الطغاة، سنمضي رعودا، ونمضي أسودا، نردد أنشودة الظافرين، لنا النصر، والموت للمعتدين».ويقول عن النيل: «مسافر زاده الخيال.. والسحر والعطر والظلال.. ظمآن والكأس في يديه.. والحب والفن والجمال.. والناس في حبه سكارى.. هاموا على أفقه الرحيب».

أصدر دواوين عدة منها «أين المفرّ» و«قاب قوسين» و«لا بدّ» و«صلاة ورفض» و«هدير البرزخ»، و«نهر الحقيقة» و«التائهون» وقصيدة «السلام الذي أعرفه».

قال أدباء عصره عنه إنه كان شاعرا تأثر بالطبيعة الخلابة والقرى التي نشأ في واحدة منها وكان مهتما بقضايا الوحدة العربية والإيمان بالله حق الإيمان، وحرية الإبداع، والثورة على الاستعمار، ومواجهة الظلم الذي تعرض له الفلاح حينها.

تدرج في مناصب وظيفية عدة منها محرر ومساعد للدكتور طه حسين بالمجمع اللغوي، ومستشار ثقافي بالإذاعة المصرية، ومدير عام البرامج الثقافية والدينية ورئيس لجنة النصوص بالإذاعة المصرية، أنشأ محطة القرآن الكريم وجمع تسجيلات الشيخ محمد رفعت وحفظها، مستشار بلجنة المناهج بوزارة التربية بالكويت.

بلغ سن التقاعد من عمله في الإذاعة عام 1970، وعرض عليه يعمل في مركز بحوث المناهج في الكويت، وكانت رحلته الأخيرة عاد إلى القاهرة في صندوق في 25 أبريل 1977، وحضر تشيعه المئات.

وبعد مرور 40 عاما على وفاته، وفي يوم الشعر العالمي، اختارت الأقدار ضفاف النيل موقعا للاحتفال بذكرى الشاعر الكبير، في مدينة الشمس (الأقصر)، وكلماته في إحياء ذكرى وفاة حافظ إبراهيم شاعر النيل تطوف في بعده السابع،يقول: «إن الجنون بمصر أروعُ حكمةٍ.. يوحى بها شرع الوفاء ويأمرُ.. قم عاتب الأوطان حافظُ هاتفا.. بهواه إن جنانها متحجّرُ.. شعرٌ إذا ينساهُ شعبُكَ جاحداً.. فالنيل في يوم الفخار سيذكرُ».