رسّام «الوطن» يرصد ملامح مصر وناسها فى معرض «ضفاير»

كتب: محمد الجبالى

رسّام «الوطن» يرصد ملامح مصر وناسها فى معرض «ضفاير»

رسّام «الوطن» يرصد ملامح مصر وناسها فى معرض «ضفاير»

يقدم الفنان خالد عبدالعاطى فى معرضه الأخير أعمالاً شديدة المصرية، حيث أخذ الفنان على عاتقه منذ اللحظة الأولى مهمة التعبير عن البيئة المصرية بكل ما فيها من جمال وبهاء، فعبّر عنها بكل تفاصيلها، فنجدها تطل من أعماله التى تناول فيها مصر شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً.. من الإسكندرية إلى النوبة.. ومن سيناء إلى مطروح.

خالد عبدالعاطى، فنان يمتلك أدواته، ومصور بارع صقل موهبته بالدراسة الأكاديمية وأعطاه العمل الصحفى قوة الخطوط وبراعة الأداء، فاختمرت تجربته الفنية وأثمرت ومنحتنا أعمالاً مميزة تجمع بين الأصالة، التى تتمثل فى قوة الرسم، والتكوين المحكم والمعاصرة التى نجدها فى حداثة الموضوعات والتناول الجديد لها بأسلوب شديد التميز.

{long_qoute_1}

وأتقن الفنان فى تجربته العديد من الخامات واستخدمها كلها بنفس المهارة، والجدير بالذكر أن عدداً قليلاً من الفنانين هو الذى يستطيع التعامل مع العديد من الخامات، أحد هؤلاء خالد عبدالعاطى، الذى نجد فى معرضه الحالى الألوان الزيتية والإكريليك والباستيل، كما استخدم الألوان المائية باقتدار فى معرضه العام الماضى.

ويعرض «عبدالعاطى» 34 لوحة بخامات مختلفة، ويمكن أن نقسم المعرض إلى 3 مجموعات؛ الأولى رسم فيها الكادحين البسطاء الذين هم ملح الأرض، ونجدهم فى مواقع مختلفة من أنحاء مصر، فنجد بائع العوامات الموجود على سواحل مصر الشمالية، والذى يحمل التضاد والتناقض بين بهجة المصيف وفرحته بعيدة المنال، وبين لحظة الشقاء لعامل لا يملك رفاهية المصيف وكل ما يشغله هو أن يجمع قوت يومه، وهذا العمل تحديداً يذكرنى بعمل للفنان الكبير عبدالعزيز درويش، موجود فى متحف الفن الحديث لمهرج فى كواليس السيرك يرتدى أزياء المهرج ولكن تبدو على وجهه علامات التجهم، وهذه الحالة تحمل نفس التضاد الذى تحمله لوحة «عبدالعاطى»، والتى أعطاها حجمها وخامة الزيت المرسومة بها قيمة مضافة فأصبحت عملاً شديد التفرد.

{long_qoute_2}

وأيضاً لوحة بائع العرقسوس، وهى تمثل بائع العرقسوس بزيه التقليدى فى الأماكن الشعبية المصرية، وجدير بالذكر أنه رغم التزام الفنان بالنهج الواقعى فإنه حل الخلفية بشكل تعبيرى من خلال مساحات لونية، مما أعطى للعمل شكلاً مختلفاً من حيث المعالجة التشكيلية، يظهر هذا جلياً فى هذا العمل تحديداً وفى معظم الأعمال الموجودة بالمعرض.

وتوجد أيضاً لوحة لسيدة مصرية تصنع الفخار، وهى من محافظة المنيا بصعيد مصر، وتبدو على ملامحها مسحة الرضا الممزوجة بالكد والعمل الدؤوب، وطفل آخر يحمل الأخشاب على حمار من الواحات بدأ رحلة العمل مبكراً وتحمل المسئولية فخلع عباءة الطفولة وبدأ مواجهة الحياة كرجل يحاول كسب العيش.

الملاحظ أن الخيط الذى يجمع بين بورتريهات «عبدالعاطى» هو التعبير عن قيمة العمل ورصد البسطاء فى لحظات الكد اليومية بحثاً عن الرزق فى مختلف أنحاء مصر، وهو بهذا يعد أحد فنانى البورتريه المتميزين والذى أتقن بمهارة هذا الفن الصعب، الذى يعد مرآة النفس البشرية.

أخيراً أود الإشارة إلى براعة الفنان فى التعبير عن «الأتموسفير» الخاص بكل لوحة، وخلق أجواء تصويرية تشعرنا بالوقت ودرجة الحرارة وكأننا موجودون فى المكان، وهذه مرحلة تصويرية ذات مستوى عالٍ لا يصل إليها إلا المصورون الحقيقيون.

المجموعة الثانية، التى تناولها المعرض، هى مجموعة بورتريهات الجميلات التى تضم فى طياتها وجوهاً فاتنة لجميلات بأزياء وحلى مميزة، وهى التى حملت عنوان المعرض «ضفاير» وهو معنى مختصر للتعبير عن الجميلات بضفائر ووجوه صافية ومشرقة وبديعة، وكأن الفنان هنا يرسخ مذهب الفن للجمال فيوجه ريشته للتعبير عن وجوه الفاتنات التى استلهمها من الواقع وأضفى عليها جمالاً وبهاء.

المجموعة الثالثة، وهى قليلة من حيث العدد، إلا أنها تملك من الحضور ما يؤهلها للوقوف جنباً إلى جنب مع المجموعتين السابقتين، وهى مجموعة المراكب، وقد أحس بها الفنان بشكل كبير وعبّر عنها بقوة، وذلك فى اعتقادى لأنه فى الأصل ينتمى لبيئة ساحلية، فمسقط رأسه محافظة الإسماعيلية، لذلك فقد استطاع أن يرصد تكوينات للمراكب غاية فى الروعة، ليس فقط فى محافظته، ولكن فى جميع محافظات مصر الساحلية، والمراكب عند «عبدالعاطى» مثل الشخوص تبدو فى تكوينات رصينة وكأنها تقيم حواراً صامتاً على المياه الهادرة حيناً والهادئة معظم الأحيان، كما توجد مجموعة لوحات صغيرة أو «اسكتشات» للفنان تعتمد على قوة الخطوط وبلاغة التلخيص فى الخط واللون.

المعرض، الذى يقام فى جاليرى قرطبة ويستمر حتى 12 أبريل الحالى، فى مجمله يحمل تجربة جادة لفنان أحب مصر وذاب عشقاً فى تفاصيلها وعبّر عنها بكل صدق استشعره المشاهد والمتلقى على مختلف توجهاته وتنوع ثقافته البصرية، وأعتقد أن هذا المعرض يمثل قمة النضج الفنى فى تجربة الفنان خالد عبدالعاطى، ويؤكد أنه فى قمة عطائه وتوهجه الفنى.

أحد البورتريهات لفتاة فاتنة

لوحة بائع العوامات ترصد شقاء عامل لا يملك رفاهية التمتع بالمصيف