«أدخنة الموت» تحول شبرا الخيمة إلى «مستشفى صدر كبير»
«أدخنة الموت» تحول شبرا الخيمة إلى «مستشفى صدر كبير»
- أكسيد الكربون
- أمراض الصدر
- ارتفاعات المبانى
- الأدوات المنزلية
- التنفس الصناعي
- الغزل والنسيج
- المحافظ السابق
- انتخابات مجلس النواب
- بشبرا الخيمة
- آثار
- أكسيد الكربون
- أمراض الصدر
- ارتفاعات المبانى
- الأدوات المنزلية
- التنفس الصناعي
- الغزل والنسيج
- المحافظ السابق
- انتخابات مجلس النواب
- بشبرا الخيمة
- آثار
بمجرد أن يخطو المرء إلى تلك المنطقة المكدسة بالسكان ويقضى دقائق بين شوارعها الضيقة وحاراتها، يشم رائحة الأزمة التى تتصاعد شيئاً فشيئاً حتى تصبح عملية التنفس الطبيعى بعد نحو 30 دقيقة فقط من الوجود بالمكان «أمراً شاقاً» بسبب غبار الأدخنة والغازات المتصاعدة من مداخن مصبغة الغزل والنسيج والألياف الصناعية التى يبلغ عددها 11 مدخنة على ارتفاع قريب من ارتفاعات المبانى السكنية المحيطة ومجمع المدارس للمرحلتين الابتدائية والإعدادية الموجود بالجهة الأخرى من المصبغة، 4 أعوام يزداد خلالها الوضع سوءاً يوماً بعد آخر، شكاوى عديدة تقدم بها أهالى بهتيم بشبرا الخيمة لكن دون جدوى، ومشاورات عديدة مع المسئولين ومالك المصبغة لم تنته إلى شىء جديد، حتى اضطر البعض أن «يطفش» من المكان باستئجار وحدات سكنية فى مناطق أخرى بعيدة عما سموه بـ«مداخن الموت»، فيما ينتظر الغالبية من السكان قراراً يريح صدورهم التى ملأها الدخان مستعينين بقائمة طويلة من أدوية الصدر وأجهزة التنفس الصناعية التى تكاد لا تخلو منها شقة حتى تحولت المنطقة إلى ما يشبه «مستشفى كبير» للأمراض الصدرية.
{long_qoute_1}
«مراتى ماتت بسبب تليف فى الرئتين، صدرها باظ من كتر الدخان وماكنتش متحملة، لفينا وجرينا بيها لحد ما ربنا افتكرها»، يقول الرجل السبعينى، متولى على البنا، الشهير بـ«الحاج قطب»، الذى يرقد على سرير داخل حجرة صغيرة بالطابق الأرضى يسكن فيها بصحبة ابنه وزوجته، ومن فوق صورة زوجته المتوفاة معلقة على الحائط، لا تفارقه الكحة التى تقتلع ضلوعه وتمنعه من مزاولة مهنته التى قضى فيها عمره، «أنا بشتغل فى دفن موتى.. مابقتش قادر زى زمان، نايم على سريرى والكحة تعبانى والهبو بتاع المصبغة عمال يرمى علينا خاصة فترة الليل، لحد ما هيجيبلنا الأجل المستعجل»، كلمات «قطب» لم تختلف كثيراً عن كلمات جاره «على سعيد محمد» الذى خرج على المعاش ويسكن مع زوجته وأولاده الخمسة، الغضب فى هذا المكان يسيطر على الجميع، سواء تجاه المصبغة التى باتت تشكل لهم «كابوساً» أو تجاه المسئولين الذين ملوا من الشكوى إليهم: «عملنا أكتر من كذا شكوى، سواء للحى مرة أو المحافظة مرة ومفيش نتيجة، حاولنا التواصل مع صاحب المصبغة قالنا ماينفعش أنقلها، لكن هجيب أجهزة من ألمانيا ومعدات تقلل الدخان وتحافظ على الصحة، وانتهت الجلسة إن كله هيبقى تمام.. لكن ماحصلش حاجة من اللى اتفق عليها معانا»، جلسة الأهالى مع مالك المصبغة حاتم عودة، الذى خسر انتخابات مجلس النواب الأخيرة، انتهت إلى «مجرد كلام» بحسبهم دون أن يرى الأهالى أمراً جديداً يحد من الأضرار التى يتعرضون لها، «رجعنا بيوتنا وخلصت الانتخابات ومن وقتها الحال على ما هو عليه، بل إن كل يوم فى الأسوأ، ومفيش بيت ولا أسرة إلا لما بقى فيها مريض قلب أو رئتين». {left_qoute_1}
الطبيعة السكنية للمنطقة كثيقة جداً، عبارة عن عقارات متلاصقة يضم كل منها عشرات الوحدات الصغيرة ولا يفصل بينها إلا مسافات ضيقة للغاية، فى شارع مهنى السواق كانت السيدة رسمية سيد أحمد تخطو بصعوبة ثم توقفت لدقائق تلتقط فيها أنفاسها، وما إن هدأت حتى انفجرت بالحديث وهى غاضبة: «أنا كنت زى الوحش زمان، دلوقتى جالى تليف فى الرئتين وبتعالج فى صدر العباسية، واستلفت علشان أشترى جهاز تنفس صغير يخلينى أقدر آخد نفسى.. يرضى مين ده؟»، كانت تعمل طوال عمرها حتى خرجت على المعاش لتحصل على 700 جنيه فقط شهرياً، تنفق جزءاً منها على تكاليف العلاج والدواء، «يعنى الهم همين، من ناحية صحتى تعبت، ومن ناحية تانية فلوس بتتصرف واحنا الجاى على قد اللى رايح»، ذات مرة قررت «رسمية» التوجه إلى بوابة المصبغة للتفاهم مع المشرفين أو العاملين بها بعد أن ضاقت من الأوضاع التى تعانيها، «لا عرفت آخد حق ولا باطل، قالولى إحنا طافيين المداخن، لكن طول الليل بنشوفها شغالة وتفضل آثارها للصبح».
«الطفشان» من المنطقة كان وسيلة بعض الجيران للهرب من الموت على حد وصفهم، «سابوا شققهم ومشيوا» هكذا كان قرار البعض بعد أن فقدوا الأمل فى التوصل إلى حل للمشكلة، مثل محمد الوردانى الأستاذ بمدرسة بهتيم، الذى أوضح أنه استأجر شقة أخرى فى مكان بعيد للنجاة بصحته وصحته أسرته، حسب قوله، وأغلق شقته القديمة ليأتى من فترة لأخرى يطمئن عليها ثم يغادر، قبل قراره بالرحيل فكر «الوردانى» فى اللجوء إلى القضاء لوقف عمل المصبغة، لكنه وجيرانه لم يكملوا فى الطريق الذى بدت «حباله طويلة»، يقول: «فكرنا نلم من كل شقة مبلغ بسيط، 5 أو 10 جنيهات، ونوكل محامى يترافع فى قضية، لكن ببساطة قالولنا هتلموا كام يعنى.. ألف اتنين عشرة، هيعملوا إيه قدام راجل مليونير قادر إنه يقعد فى المحاكم سنة وعشرة وعشرين»، ضيق حال غالبية الأهالى دفعهم إلى الرجوع عن الفكرة، ودفع «الوردانى» لمغادرة المنطقة، مثل آخرين منهم هشام فرغلى، المسئول عن أسرة صغيرة مكونة من زوجة وثلاثة أطفال لم تتجاوز أعمارهم الـ5 سنوات، واتخذ قراره بالانتقال إلى شقة أخرى بعيداً عن المربع السكنى الذى وصف الحياة داخله بأنها «موت بالبطىء»، يملك هشام محلاً لبيع الهدايا والاكسسوارات والأدوات المنزلية، يضطره إلى الوجود فى المنطقة بالرغم من تغيير محل الإقامة، «أنا ممكن أتحمل، لكن الأطفال يتحملوا إزاى، ولو مراتى أو العيال معايا فى يوم بالمحل، أول ما ألاقى المداخن اشتغلت أقولهم روحوا البيت.. خاصة أن أطفال كتير من أولاد الجيران تعبوا».
فريق المتابعة الشعبية بالقليوبية، كان الباب الأخير الذى طرقه الأهالى فى محاولة لسماع أصواتهم، محمد الباسطى، عضو الفريق، قال إن الأهالى مهددون بالموت نتيجة استنشاقهم أدخنة ضارة محملة بأول أكسيد الكربون وغازات أخرى، وإن فريق المتابعة تقدم بأكثر من استغاثة لعدد من المسئولين منهم اللواء رضا فرحات، المحافظ الأسبق للقليوبية، واللواء عمرو عبدالمنعم، المحافظ السابق، والدكتور بكر عبدالمنعم، رئيس مجلس مدينة شبرا الخيمة الحالى، الذى أصدر قراراً بغلق المصبغة أغسطس ٢٠١٥ ولم ينفذ حتى الآن بحسبه، دون أن يعرف أحد سبب عدم التنفيذ، لكنه برغم الواقع الذى يعانى منه الأهالى، وشكاوى فريق المتابعة الشعبية، وعلامات الاستفهام التى يطرحونها، يدافع حاتم عودة، مالك شركة الثلاثية للصباغة والتجهيز، عن موقفه أمام الأهالى بتقرير قياسات الانبعاثات الصادر عن وزارة البيئة، وانتهى إلى أن الانبعاثات الصادرة لا تتعدى الحدود المسموح بها طبقاً لقانون 4 لسنة 1994، وذلك أثناء فترة القياس بتاريخ 15 نوفمبر الماضى، الساعة الواحدة والنصف ظهراً.
{long_qoute_2}
«الوطن» حصلت على نسخة من التقرير الذى أشار إلى أن المواد المنبعثة وهى «أكاسيد النيتروجين» و«ثانى أكسيد الكبريت» و«أول أكسيد الكربون» أقل من الحدود المسموح بها خلال فترة القياس، حمدى صالح، أحد أقارب «عودة»، اعتبر أن التقرير ينصفه، «إحنا ماشين بالقانون، وورقنا سليم، وكله تمام، وناس كتيرة مفتوح بيوتها من المصبغة»، الأمر الذى احتج عليه الأهالى، وشكك محمد سعيد، الذى يسكن بالقرب من المصبغة، فى صحة التقرير مطالباً بتشكيل لجنة جديدة من المحافظة والبيئة والصحة وتكون معلنة، وتقوم بالقياس على مدار يوم كامل صباحاً وليلاً وليس فى ساعة واحدة من اليوم حتى يتضح لها الحقيقة، وتابع: «مش علشان بيشغل 100 أو 200 فرد، يضيع صحة آلاف السكان الغلابة، وأنا واحد منهم، إحنا اللى تعبانين وحاسين باللى بيحصل، ومش معقول يكون الأهالى كلهم على غلط بأمراضهم وحالات الوفاة اللى حصلت بينا، والمصبغة هى اللى صح».


