«محمد» بيخاف من الدم والحبسة في البيت

كتب: محمود عبدالرحمن

«محمد» بيخاف من الدم والحبسة في البيت

«محمد» بيخاف من الدم والحبسة في البيت

تسمع صوته وهو يتحدث، فتتصور أنه «علامة زمانه» يباغتك ظهوره الأول، لا يمتلك بطاقة هوية لكنه يدرك حقوقه وواجباته، لا يكف عن الحديث فى كل شىء، ما يناسب سنه وما يتجاوز سنواته التسع، ينظر إلى المستقبل بعقل شاب متحمس، وقلب طفل خائف من بكرة من اليوم الذى يصحو فيه ولا يجد «بابا وماما حواليا». يمتلك محمد جمال رصيداً من التحليلات الخاصة به، يراها دائماً الأصح على الإطلاق، يجلس أمام شاشات التليفزيون ليتابع ثم ينتقد الساسة والإعلاميين، يشيد بأحدهم ثم يعلو صوته بسب آخر وكأنه فى مباراة لن ينحاز لأحد طرفيها، فقط يبحث عن «اللعبة الحلوة». الخوف عند «محمد» درجات، يخاف عقوبة أبويه إذا أخطأ، ويخاف نتيجة الامتحان رغم ثقته فى النجاح نتيجة اجتهاده، ويخاف أن تستمر الثورة فيمنعه والده من الخروج أو الفسحة، ويخاف أخيراً أن يفوز د. محمد مرسى بالرئاسة، «لأن بتوع الدقون هيدبحونا».. يردد هذا عن قناعة شخصية دون أن يمليه عليه أحد، ينادى بالدولة المدنية يلخص مفهومها بثقة «يعنى ألبس اللى أنا عايزه من غير ما حد يقولى لأ».. يعشق الحديث عن الثورة وشهدائها وإن كان يخاف دائماً أن يكون أحدهم حتى لا يشاهد أحد دموع والديه وشقيقاته. يستقبل محمد سؤال «ماذا تتوقع فى الأيام المقبلة؟» باعتدال فى الجلسة وهزة بسيطة على كرسيه تعكس ثقته فيما يقول: «شكلها مش هتعدى على خير، الإخوان مش هيسكتوا لأنهم ماصدقوا والظباط -يقصد المجلس العسكرى- مش هيسيبوها لهم.. تبقى باظت». دائماً ما ينفى محمد خوفه، ويربط نفيه هذا بـ«أنا ما بخافش هو فيه راجل بيخاف».. لكنه هذه المرة لم ينفِ ولم يخف ذلك الشعور الذى كمن فى نفسه، توقع كثيراً فوز العسكرى بمنطق «هو فيه ظابط بيتغلب».. لكنه هذه المرة شعر أن فوزه فيها خراب.. ترددت الكلمة غير مرة فى البرامج الحوارية الليلية التى يتابعها، فشعر بقلق عميق، وكلما جلس إلى أحد كباره «والده أو مدرسه أو خاله أو عمه» سأله سؤاله المعتاد: حد يطمنى هيحصل إيه فى البلد. لا يلقى سؤاله إجابة، بما يقابله الكبار بعدة أسئلة وتطمينات «اوعى تخاف يا حبيبى بكرة أحسن» قالتها والدته لتطمئنه لكنه لم يصدقها، وجد نبرتها غير طبيعية وربط بين مخاوفه وتعليماته التى صدرت إليه وشقيقاته «محدش يخرج من البيت إلا بإذن.. مفيش نادى ولا فسح اللى عايز يلعب البيت واسع قدامه».. نظر محمد حوله يتفحص «البيت الواسع» لكنه لا يملك إلا الامتثال لأوامر الأم.. وقدر شوقه لانتهاء المشهد، قدر خوفه من الدم اللى هيملى الدنيا، حسب تعبيره، لا يحب محمد مشهد الدم، ويبكى حينما يرى الدماء سواء حقيقية أو حتى فى الأفلام، تزيد حدة بكائه حينما يتخيل ما يحدث فى لبنان وأمريكا وفلسطين يمكن أن يحدث فى مصر، يخشى هذا اليوم الذى يرى فيه حريق القاهرة واقعاً وليس تاريخاً. محمد سمع عن الأحكام العرفية واحتمالية تطبيقها الأيام المقبلة، فترجم على الفور «يعنى هيضربوا اللى ينزل الشارع بالنار.. طب مين يجيب لنا طلبات البيت.. ونروح للدكاترة إزاى؟.. محمد سيمتثل لخطة الأبوين لمواجهة الأيام المقبلة «هنتجمع كلنا فى بيت جدى، أهو نبقى قريبين من بعض عشان لو حصلت حاجة نقدر ندافع عن بعضنا».