«محمد» فاقدا للبصر.. يخشى أن يفقده الخوف «البصيرة»
جالساً على ذلك المقعد الخشبى داخل محطة مترو حلوان، وبؤبؤ عينيه يتجول بين أروقة المحطة فى حركة دائرية، يتحسس بأذنيه الموسيقى التكتيكية الناتجة عن سير المارة بأحذيتهم على الرصيف، الخوف يتملكه فور سماعه لتلك الصافرة التى تعودت أذناه على سماعها والتى تُنذر بفتح أبواب عربات المترو، ليتأهب متمالكاً نفسه فى خطوات يتخللها الرعب خطوة وراء خطوة.. وما هى إلا ثوان معدودة حتى يسمع صافرة غلق الأبواب، ليفشل فى ركوب القطار، ويعود إلى مقعده مرة أخرى.
الخوف يتملكه، من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وشماله ومن فوقه وتحته، يتحسس طريقه داخل المدينة الجامعية لجامعة حلوان، وما أن يسمع آذان الفجر حتى يستيقظ «محمد خلف» من نومه، ويبدأ شعوره بالمعاناة اليومية، يتحسس خطواته وهو ذاهب إلى دورة المياه، يخشى من الانزلاق على تلك الأرضية، وعندما ينجح فى إتمام صلاته، يخشى من الفشل فى عدم ارتداء ملابسه، ثم يأتى يومه الروتينى بتتابع فيبدأ فى الخروج من المدينة حتى يصل إلى وجهته «كلية الآداب - قسم التاريخ».. فاقدا للبصر ولكنه يعتمد على بصيرته.
عندما جاء الطالب «خلف» إلى القاهرة، لم يكن ذلك حباً منه فى زحامها، كان مجبراً على تحقيق طموحه، خوفاً من أن يلحق بمصير أشقائه، الذين قبل بعضهم بالأمر الواقع رغم سلامتهم الجسدية الكاملة، ومنذ أن أيقن الطفل الريفى بأن شيئا مهما ينقصه، حاول تعويض ذلك بالرغبة فى الترقى والطموح الذى ليس له حدود.. ترك بيته وأهله والأرض التى يمتلكونها وذهب بمفرده بعد أن أنهى امتحانات الثانوية العامة، إلى ربوع القاهرة أملا فى إيجاد تعليم أفضل يستطيع من خلاله التغلب على فقدانه للبصر.
لا يرى «خلف» المستقبل ولكن يتحسسه بأنامله وبصيرته، ودائماً الخوف يسيطر على جنباته، فهو يخشى من الفشل فى الكلية فيعود إلى أدراجه بقرية «أبشواى»، وإلى تلك الأرض القاحطة التى لا زرع فيها ولا ماء، منتظراً وفاته ومتخلصا من هذه الدنيا، ويحاول بكل ما أوتى من قوة تطوير مهاراته بالحصول على كورسات لغة إنجليزية وتسويق، حتى يستطيع فقط العمل خلال فترة الإجازة الصيفية، توفيراً للأموال القليلة التى يرسلها إليه أهله «هما أولى منى بيها».
طريق «خلف» دائماً مُلبد بالخوف، وفى طريقه لاكتساب المهارات كان مُجبرا على قضاء معظم وقت يومه فى مترو الأنفاق، فهو الوسيلة الوحيدة الآمنة بالنسبة له لكن دائماً ما يواجه ما يخشاه، تارة يصطدم بإحدى الفتيات فتعتقد أنها تتعرض للتحرش لتقول له «يا حيوان مش تحاسب».. وعندما تُدرك أنه لا يرى تعود وتعتذر له وما على «خلف» إلا قبول الاعتذار: «أول ما أركب المترو ألاقى مصمصة الليمون اشتغلت.. ست قاعدة وبتستعجب: (إزاى أعمى وماشى لوحده كدة.. حِكم)».
الزواج والارتباط بإنسانة يتعلق بها والحب والعاطفة.. كلها أحاسيس يستطيع «خلف» الشعور بها، ولكنه يخشى من الفشل فى امتلاكها: «يا ترى لما ييجى اليوم وأحب واحدة.. ممكن تقبل بيا شفقة وعطف ولا حب بحق وحقيقى.. لكن أنا بحاول أطور من نفسى عشان البنت اللى أحبها هى اللى تتمنى ترتبط بيا».
يوما الخميس والجمعة هما أحلك ما يرى «خلف»؛ لأن كل الطلاب فى المدينة الجامعية يغادرون لرؤية أهلهم.. إلا هو.. يظل قابعاً فى غرفته يخشى من خسارة بعض الأموال الضئيلة التى يمتلكها.. فلا يعرف إعادتها مجدداً.. ويحاول على قدر الإمكان أن يستغل اليومين فى الصلاة والمذاكرة.. ويكتفى فقط بجنيهين من تليفونه المحمول يطمئن لسماع صوت والديه وأخواته.
«وقت الامتحان يُكرم المرء أو يُهان».. استعدادات الشاب -الذى لم يبلغ بعد العشرين عاماً- مختلفة، فالكتاب الجامعى يصدر قبل الامتحانات بشهر واحد، ليقوم بتحويله إلى «ملف وورد»، ثم سريعاً يقوم بتحويله مرة أخرى إلى «طريقة برايل» ليتمكن من المذاكرة.
لو أراد الله ورد بصر عبده «خلف» فكل ما يتمنى ألا يراه هو «الظلم والخيانة»: «لو ربنا رجعلى بصرى وشفت الحاجتين دول أفضل إنى أبقى أعمى طول حياتى».. السياسة بالنسبة للطالب الجامعى ليست فى القاموس، لا تعنى له شيئا، خوفه الحقيقى على نفسه، لكن ما يتلقاه عن طريق أذنيه من خلال التليفزيون أو الراديو أو حتى فى محطات المترو التى يقضى بها معظم وقته: «الناس كلها خايفة.. أنا مكنتش خايف من مستقبل مصر.. لكن إحساس الناس بالرعب رعبنى أنا كمان.. مبقتش عارف هيه البلد رايحة على فين».