«سحر» أم عادية لأربعة أبناء خامسهم الخوف

كتب: سارة سند

«سحر» أم عادية لأربعة أبناء خامسهم الخوف

«سحر» أم عادية لأربعة أبناء خامسهم الخوف

تؤمن بقضاء الله وقدره، تلبى كل فروضها الدينية.. كل هذا لا يمنع إحساسها بالخوف من المستقبل الذى ينتابها دائما كلما فكرت «بكره هيكون عامل إزاى». سحر أحمد أم لأربعة أبناء، صبية صغيرة ما زالت فى المرحلة الابتدائية، وشباب أكبر سنا فى مراحل التعليم المختلفة وبعضهم تخرج ويعمل، وزوج توفى منذ بضع سنوات ليترك لها كل هذه المسئولية. «أخاف من المرض والعلاج» تقولها سحر وهى مبتسمة، تحكى بهدوء وأمل لا يتناسبان مع كلماتها «الواحد لو تعب هيتعالج فين؟ ويا ترى العلاج هيتكلف كام؟ وأنا هقدر أتكلف الفلوس دى ولا لأ؟» أسئلة تحاصرها كلما فكرت فى «المرض»، تعرف جيدا أن كل شىء من عند الله، وأن الصحة نعمة تشكر ربها عليها دوما، لكنها تسمع من أقاربها وأصدقائها كيف أن العلاج فى المستشفيات الحكومية أصبح مستحيلا، وفى المستشفيات الخاصة أصبح باهظا «الناس بتدخل المستشفى معندهاش مرض كبير وبيدفعولهم بالعشرين والتلاتين ألف جنيه، أمال لو عيان بجد كان دفع كام؟ وحتى لو أنا معايا فلوس وهادخل مستشفى خاص، العلاج نفسه مشكلة، والمريض بيدخل بأمراض وبيطلع من المستشفى بأمراض تانية خالص». إلى جوارها تجلس ابنتها الصغيرة «زينة»، تخاف كثيرا عليها مما تراه فى الشارع، ترفض نزولها الشارع بمفردها، خوفا من يد تتحرش بصغيرتها، بعدما أصبح التحرش كالسرطان فى كل شوارع مصر على اختلاف المناطق والدرجات، رأت بعينيها ما يجعلها تتأكد من أن خوفها صحيح: «مرة كنت أسير بسيارتى إلى جوار أحد مراكز التسوق الشهيرة فى مدينة نصر، ورأيت مجموعة من الشباب يلاحقون فتاة من جميع الجهات ويتحرشون بها، والفتاة تصرخ فيهم وتحاول الهروب، وكل المارة يشاهدون هذا الموقف لكن دون تعليق، ودون أن يتطوع أى رجل محترم لمساعدة تلك الفتاة المسكينة»، تسكت سحر قليلا وذهنها يروح إلى تلك الحادثة وتكمل «لازم أخاف على بنتى، الشارع مش أمان، بحكيلها كتير عن شوارع مصر أيام زمان، على أيامى أنا، كنت بمشى أنا وأصدقائى فى الشارع دون معاكسات ودون أن يتعرض لنا أحد». الشارع نفسه هو أكبر مخاوف سحر، فرغم أنها شخصية اجتماعية تود الأصدقاء والأقارب، لكنها ومنذ فترة أصبحت تخاف الشارع، تخاف أن يتعرض لها أحد، تخاف من البلطجة، على غير عادتها القديمة، أصبحت سحر تخاف التأخر فى الشارع بعد صلاة العشاء، بل وقبلها أيضا: «الغريب إنى بقيت باستريح أكتر فى القعدة فى البيت، بحس إن ده هو المكان الوحيد الآمن فى مصر، بخاف من الشارع واللى بيحصل فيه، زمان ماكنش عندى الخوف ده، لكن دلوقتى طول ما أنا فى الشارع ببقى متوترة وقلقانة، وما بطمنش غير لما أرجع بيتى». الخوف من الهجرة أيضا لازمها لفترة، والهجرة التى تقصدها هى رغبة أحد أبنائها السفر والهجرة إلى الخارج، لا يشعر أن ظروف البلد ستتحسن، لا يتخيل مستقبلا أفضل فى ظل الأوضاع الحالية، غيّر رأيه قليلا بعد الثورة، وعدل عن قرار الهجرة، لكن فى الوقت الحالى بعد أن عادت الأمور لما كانت عليه فى السابق وأسوأ، لم يعد هذا القرار بعيدا، فالاعتقاد السائد أن أى بلد يمكن أن يكون أفضل: «دايما بيبقى عندى أمل إن الأوضاع تتحسن، وإن مصر هتبقى أفضل، لكن الشباب مش شايفين كده، وهم عندهم حق، كل واحد بيفكر هيشتغل إيه وهيتجوز إزاى وهيربى عياله إزاى، وهل هيقدر يعيشهم فى نفس المستوى اللى عاش فيه فى طفولته؟»، كلها أسئلة مشروعة لا تملك سحر أيا من إجاباتها، لكنها تترك المسألة لـ«تصاريف ربنا» على ثقة أنه لن يخذلها، ويبقى الإحساس من الخوف من تجدد قرار الهجرة نفسه فى أى وقت. السياسة هى الأخرى لا تبتعد عن هذا البيت الذى شارك فى الثورة، ونزل الميدان، وحضر التنحى، والخوف فى هذه الحالة مشترك بين الأم وأبنائها، الخوف من عودة النظام القديم بكل تفاصيله المرعبة؛ رشوة وفساد وعدم تساوى فى الفرص، وغياب العيش والحرية والعدالة الاجتماعية التى طالبت بها مع أبنائها، ولأنها تؤمن أن لكل مجتهد نصيبا، وربت أبناءها على الاجتهاد والالتزام، تخاف بعد كل ذلك أن يرجع النظام القديم ولا يجدوا مكانا فى المجتمع الجديد، تخاف أن يصبح الحصول على وظيفة بالواسطة والمحسوبية، والترقى فى العمل يكون بناء على حجم المعارف.. لا تؤيد أيا من مرشحى الرئاسة.. فقط تخاف عودة القديم.