الخضراوات والفواكه: تجار مستغلون.. ومستهلكون يدفعون «فاتورة التلاعب»

كتب: نظيمة البحراوى وعبير العربى

الخضراوات والفواكه: تجار مستغلون.. ومستهلكون يدفعون «فاتورة التلاعب»

الخضراوات والفواكه: تجار مستغلون.. ومستهلكون يدفعون «فاتورة التلاعب»

«مجنونة يا قوطة»، مقولة عرفها رواد أسواق الخضراوات والفواكه فى مختلف محافظات مصر، على مدار سنوات طويلة، ولكن «جنون الأسعار» لم يتوقف فقط على الطماطم، بل امتد ليشمل كافة السلع والمحاصيل الزراعية، حيث تضاعفت أسعار الكثير من أصناف الخضراوات والفاكهة، مقارنةً بما كانت عليه قبل فترة قريبة، وسط اتهامات متبادلة بين المزارعين والتجار لكل طرف بأنه هو المسئول عن تلك الزيادة الجنونية فى الأسعار، بينما يقف الباعة حائرين، يضربون أخماساً فى أسداس، بعد الركود الذى أصاب الأسواق، لتتوقف حركة البيع والشراء إلى حد كبير، وبصورة غير مسبوقة، وجاءت الطماطم فى مقدمة الأصناف التى ارتفعت أسعارها بصورة كبيرة خلال الفترة الماضية، حيث سجلت السلعة التى لا يكاد يخلو منها منزل، وهى ضيف دائم على مائدة الطعام فى معظم الوجبات، 12 جنيهاً للكيلو، وقال «مجدى البقرى»، مزارع بقرية «شرارة»، التابعة لمركز الحسينية، بمحافظة الشرقية، إن معظم المزارعين يلجأون لزراعة الخضراوات والفاكهة نظراً لصعوبة زراعة المحاصيل الاستراتيجية مثل القطن، بعدما تخلت الحكومة عن دعم المزارعين، مشيراً إلى أن نحو 27% من الأراضى الزراعية تتم زراعتها بالخضراوات والفاكهة مثل الطماطم والأناناس والبطيخ والفراولة، لافتاً إلى أن هناك نحو 500 فدان تمت زراعتها بالطماطم هذا العام، فى نطاق مركز الحسينية، وكان من أكبر المشكلات التى واجهت المزارعين انخفاض درجات الحرارة، ما أدى إلى تلف كميات كبيرة من المحصول، وتابع بقوله إن «المزارعين مغلوبون على أمرهم، وتكلفة زراعة الأرض هى التى يقف عليها تحديد السعر»، مشيراً إلى أن ارتفاع أسعار الخضراوات والفاكهة يرجع إلى ارتفاع مستلزمات الزراعة، مضيفاً أن تكلفة زراعة فدان الطماطم تتراوح بين 15 و20 ألف جنيه، وأوضح أن تلك التكاليف تبدأ من تجهيز الأرض، واستخدام خراطيم للرى المطور، بتكلفة تصل إلى 3 آلاف جنيه، بالإضافة إلى تكلفة «الشتلات»، التى تصل إلى 5 آلاف جنيه، فضلاً عن ارتفاع أسعار الأسمدة إلى 3 آلاف جنيه للطن، فى حالة الحصول عليها من الجمعيات الزراعية، وتزيد على 4 آلاف جنيه فى «السوق السوداء»، التى يلجأ إليها معظم الفلاحين، لعدم كفاية ما توفره الجمعيات، وكذلك تكلفة «السبلة»، أو «السباخ البلدى»، التى تصل إلى 3 آلاف جنيه، ولفت «البقرى» إلى أنه يتم أيضاً شراء أدوية للنمو الخضرى والتزهير، والقضاء على الآفات ومكافحة الديدان والذبابة البيضاء، بتكلفة تصل إلى 5 آلاف جنيه للفدان، وهذا إذا كانت النباتات تنمو بحالة جيدة، إما إذا كانت الشتلات مصابة بفطريات أو غيرها، فيضطر الفلاح إلى شراء أدوية أخرى للمكافحة قد تصل إلى 10 آلاف جنيه، وكل ذلك بخلاف قيمة إيجار الأرض، التى تتراوح بين 5 و6 آلاف جنيه للفدان الواحد، وأضاف أنه فى ظل ارتفاع تكاليف مستلزمات الزراعة، يلجأ المزارعون إلى بعض التجار، ويتفقون معهم على تزويدهم بالأموال اللازمة لأعمال الزراعة، مقابل شراء المحصول عند الحصاد، وطالب بضرورة أن تقوم الحكومة بتوفير الأسمدة والتقاوى اللازمة للزراعة، بدلاً من تقليل حصص الأسمدة المخصصة للمزارعين، وتركهم «فريسة لتجار السوق السوداء»، وأضاف أن هناك عدداً كبيراً من المزارعين يتجهون لبيع المحاصيل إلى تجار الجملة بسوق المنصورة، حيث ترتفع الأسعار عن أسواق الصالحية القديمة والصالحية الجديدة، مشيراً إلى أن معظم التجار فى سوق المنصورة يقومون بتصدير المحاصيل الزراعية، مؤكداً أن تصدير الطماطم هذا الموسم، كان أحد أسباب ارتفاع أسعارها فى الأسواق المحلية.

أما «محمد عزت»، أحد المزارعين بقرية «بحر البقر»، بالشرقية، فقال إن تكلفة زراعة فدان البطيخ تتراوح بين 10 و15 ألف جنيه، مشيراً إلى أنه تتم زراعته على عمق مترين، وعلى مسافات طويلة، ويستخدم به شتلات، تشمل الشتلة الواحدة نحو 2000 بذرة، ثمن البذرة الواحدة جنيه، كما يحتاج لأدوية تصل تكلفتها إلى 5 آلاف جنيه، بينما تبلغ تكلفة الأيدى العاملة نحو 11 ألف جنيه، خاصة أن جمع البطيخ يتم على عدة مراحل، مشيراً إلى أن البطيخة الواحدة يتم بيعها من الأرض بسعر 3 جنيهات، ولكنها تُباع فى الأسواق للمواطنين بسعر 10 جنيهات، وأكد ارتفاع تكاليف الإنتاج بالنسبة لباقى المحاصيل الزراعية، ومن بينها الخضراوات والفواكه، هذا العام مقارنةً بالعام الماضى، بقوله: «احنا كمزارعين نريد زراعة المحاصيل الاستراتيجية، مثل القطن والقمح والأرز، خاصةً أن الخضار والفاكهة تتعرض للتلف بسهولة، فى ظل ضعف إقبال المستهلكين عليها، ولكن بسبب عدم تقديم الدولة أى دعم للفلاح، وعدم توافر مياه الرى بشكل منتظم، نضطر إلى زراعة الخضار والفاكهة».

وفى المقابل، قال «على عبدالله»، بائع فاكهة بسوق «الحلقة» فى مدينة الزقازيق: «أول مرة نشوف الأسعار مرتفعة بهذا الشكل»، مشيراً إلى أن سعر الخوخ ارتفع من 7 جنيهات العام الماضى، إلى 15 جنيهاً هذا العام، كما أن الأناناس الذى كان يُباع الـ3 كيلو منه بـ10 جنيهات، أصبح هذا المبلغ لا يكفى لشراء كيلو واحد، بالإضافة إلى ارتفاع سعر الكيلو من 12 إلى 18 جنيهاً، بينما سجل سعر كيلو الموز رقماً غير مسبوق، حيث وصل إلى 10 جنيهات، وأعرب عن استيائه بسبب هذا «الجنون» الذى أصاب الأسواق، وقال: «احنا لا عارفين نبيع ولا نشترى، الزبون اللى كان بيشترى 2 أو 3 كيلو دلوقتى بيشترى كيلو واحد بالعافية، وكمان فيه ناس بتسأل على الأسعار وتمشى»، وتابع بقوله: «مش من مصلحتنا الأسعار تكون غالية بالشكل ده، بنتعرض لخسائر كبيرة بسبب عزوف الزبائن عن الشراء، وسرعة تعرض الفاكهة للتلف»، وأكد أن الباعة يضيفون من جنيه إلى جنيهين فقط على ثمن الكيلو بعد شرائه من تاجر الجملة، مشيراً إلى أن هناك تكاليف نقل وعمال وإيجار، مما يعنى أن هامش الربح الذى يحصل عليها الباعة يكون قليلاً للغاية.

وطالب «هانى السيد»، بائع بطيخ بسوق الحلقة، التموين بإحكام الرقابة على الأسعار بدايةً من أسواق الجملة، وتحديد أسعار للبيع والشراء، وألا يترك كل مزارع أو تاجر جملة يحدد الأسعار وفقاً لرغباته، مؤكداً أنه «مفيش بيع ولا شراء»، وقال: «احنا بيوتنا هتتخرب»، بينما أشار «وائل»، بائع خضار بسوق «أبوعميرة»، فى الزقازيق، إلى أنه يقوم بشراء الطماطم من الإسماعيلية، بسعر 9 جنيهات للكيلو من تاجر الجملة، الذى يحصل عليها من المزارعين بـ7 جنيهات، مضيفاً أن «الطماطم درجة تانية أو تالتة، تُباع بـأكثر من 5 جنيهات»، وأن هناك أصنافاً أخرى من الخضراوات سجلت أسعارها «ارتفاعاً جنونياً»، منها الفلفل الذى وصل إلى 8 جنيهات، والشطة بـ12 جنيهاً، والباذنجان بـ10 جنيهات للكيلو.

ومن جانبه، قال «عاطف متولى»، تاجر جملة بوكالة الزقازيق، إن «السوق عرض وطلب»، مؤكداً أن «التجار ليس لهم علاقة بزيادة السعر، وأن المزارع هو المتحكم الأول فى تحديد السعر»، مطالباً فى الوقت نفسه الحكومة بتوفير الأسمدة والتقاوى للمزارعين بأسعار مخفضة، حتى يمكنهم البيع بأسعار أقل، بحسب قوله، بينما أكد جمال زيدان، مدير الرقابة بمديرية التموين بالشرقية، فى تصريحات لـ«الوطن»، أن المديرية يقتصر دورها فقط على مراقبة الإعلان عن الأسعار، مشيراً إلى أنه ليس هناك «تسعيرة جبرية» للخضار والفاكهة، ولكن يتم شن حملات لضبط الأسعار، وإلزام التجار بالبيع وفق الأسعار المعلنة.

وخلال جولة لـ«الوطن» داخل عدد من الزراعات بالإسماعيلية، التى تُعد من أولى المحافظات فى زراعة الفراولة، وهو ثانى محصول تشتهر به المحافظة بعد المانجو، أكد «محمد سراج»، مزارع بقرية «المحسمة»، أنه يبدأ فى زراعة الفراولة بدايةً من شهر أغسطس، ويبدأ فى جمع المحصول اعتباراً من شهر مارس، ويظل المحصول مطروحاً بالأسواق حتى شهر يوليو، مشيراً إلى أنه لا يمكن تحديد سعر البيع من المزارع إلى التاجر، فى ظل ارتفاع تكلفة الأسمدة والعمالة، فضلاً عن يومية العامل التى تتراوح بين 80 و90 جنيهاً، وأوضح «ربيع الزاهى»، مزارع بذات القرية، أن معظم إنتاج قرية المحسمة من الفراولة يتوجه للتصدير إلى دول الخليج والأسواق الأوروبية، مشيراً إلى أن الفراولة تدخل فى صناعات الأدوية والعصائر والمربات، وأكد أن تكلفة زراعة الفدان الواحد تصل إلى 30 ألف جنيه، ويتراوح سعر بيع الكيلو للتاجر بين جنيه ونصف وجنيهين، بينما قال «محمد العميد»، أحد كبار تجار الفراولة بالإسماعيلية، إن التاجر يتسلم المحصول من داخل الحقول بسعر يصل إلى 3 جنيهات للكيلو، ويقوم ببيعه لتاجر التجزئة أو الباعة بسعر 3.5 جنيه، لافتاً إلى أن عدداً من المزارعين يقومون ببيع المحصول إلى المستهلكين مباشرةً، بعد تجميع الفراولة فى أطباق، وبيعها على السيارات فى الطرق والمفارق والميادين، بما يضمن له مكاسب مباشرة، وقال «فوزى شنودة»، بائع خضار، إنه يتسلم كيلو الفراولة من التاجر بسعر 4 جنيهات للكيلو، ويقوم ببيعه بما يتراوح بين 5 و6 جنيهات، مؤكداً أن هامش الربح الضئيل الذى يحققه الباعة، لا يغطى تكاليف النقل وأجور العمال، كما أنه لا يمكن أن يكون هو السبب الرئيسى وراء ارتفاع الأسعار بهذه الصورة الجنونية.


مواضيع متعلقة