فاصل ونواصل «الفوضى».. شعار الفضائيات فى ظل غياب «الضوابط»

كتب: إلهام زيدان

فاصل ونواصل «الفوضى».. شعار الفضائيات فى ظل غياب «الضوابط»

فاصل ونواصل «الفوضى».. شعار الفضائيات فى ظل غياب «الضوابط»

حالة ملحوظة من التخبط سادت فى الإعلام المصرى منذ سنوات ولم تفارقه، وكغيرهم وقع الإعلاميون فى فخ الممارسات الخاطئة، فبات المذيع سياسياً، والسياسى مذيعاً، واختلط الخبر بالرأى والعام بالخاص، وتعرضت بعض الشخصيات للتشهير وبث مكالمات، بما يخالف الدستور والقانون، فضلاً عن تسبب بعض وسائل الإعلام فى توتر علاقة مصر ببعض الدول، مثلما حدث فى وقائع كادت تعصف بعلاقات مصر والمغرب وكذلك بالعلاقات مع إثيوبيا، وأكد خبراء وأساتذة الإعلام أن الإعلام يتحمل جانباً كبيراً من مسئولية انتشار الابتذال، وأن الإعلاميين الجدد نشأوا فى فوضى وخطابهم يفتقر للمهنية، ولفتوا إلى أن تراجع الأداء الإعلامى قد يرجع لأجندات بعض القنوات لتغييب الوعى أو لعدم وجود سياسة إعلامية تهدف لدعم الدولة، وعبر الخبراء والأساتذة عن أملهم فى أن تمارس الهيئات الإعلامية الجديدة ونقابة الإعلاميين دوراً جاداً لضبط الأداء والخطاب الإعلامى ووقف تدهوره.

{long_qoute_1}

وفى عرض سريع لأبرز الوقائع المؤسفة التى شهدها الإعلام المصرى مؤخراً، نذكر ما جرى فى يوليو 2014، عندما أثارت تصريحات الإعلامية أمانى الخياط فى برنامج «صباح أون» أزمة مع المغرب، بعدما قالت فى برنامجها إن «اقتصاد المغرب يعتمد على الدعارة»، وفى ديسمبر 2014 عرض الإعلامى أحمد موسى فى برنامجه على فضائية «صدى البلد»، صوراً زعم أنها لفضيحة جنسية للمخرج والنائب البرلمانى خالد يوسف، وأثار مقطع فيديو لما عرف بـ«فتاة المول» الذى عرضته الإعلامية ريهام سعيد، فى أكتوبر 2015، ضجة إعلامية، وردود فعل مجتمعية وإعلامية واسعة، وهو ما تسبب فى إثارة المشكلة فى القضاء وإيقاف البرنامج لفترة، وفى مايو 2016 استضاف الإعلامى وائل الإبراشى المعلقين الرياضيين أحمد شوبير، وأحمد الطيب، تبادل خلاله الضيفان الشتائم ووصل الخلاف إلى شجار بالأيدى.

ولم تتوقف تجاوزات الإعلام عند هذا الحد، فهذه عينة من وقائع عديدة مؤسفة شهدها الإعلام، خلال الشهور والسنوات الأخيرة، وبعد حادثى تفجير الكنيستين بطنطا والإسكندرية، كان الإعلام فى مرمى الانتقاد، ووجه الرئيس عبدالفتاح السيسى بضبط الإعلام، وذلك توازياً مع مظلة تشريعية لضبط الأداء المهنى للإعلام، وتفعيل عمل نقابة الإعلاميين الجارى استكمال تأسيسها.

{long_qoute_2}

وأكدت الدكتورة ليلى عبدالمجيد، أستاذ الإعلام، أن الإعلام يتحمل جانباً كبيراً من مسئولية انتشار الابتذال والإسفاف فى مجتمعنا، فالناس تتعلم من إعلامها، وقالت «من المفترض أن يكون الخطاب الإعلامى عقلانياً تنويرياً يبنى ولا يهدم، ينقد ولا يسفه، لكننا نجده يعانى من العديد من المشكلات، منها المتعلقة بالإعلاميين الجدد الذين نشأوا فى فوضى وينقصهم التدريب على أيدى كبار الإعلاميين، والدراية العميقة بالموضوعات المطروحة، كما أن الخطاب يفتقر للالتزام بمعظم معايير المهنية المتعارف، مثل التدقيق فى عرض المعلومات، واستقائها من مصادرها، بدلاً من الاعتماد على وسائل التواصل الاجتماعى والتخمينات، وأشارت «عبدالمجيد» إلى أن الإعلام يعانى من شخصنة القضايا وتحويلها لمعارك شخصية فى الإعلام، آخرها الحديث حول شيخ الأزهر، فريق يهاجم وآخر يدافع، ويتم توجيه التهمة للدولة بأنها هى التى أعطت إشارة البدء بالهجوم، إذا كنا نهدف إلى التجديد والإصلاح، النقد بهدف البناء، وأضافت: «ينقص إعلامنا التوازن فى عرض جوانب الموضوعات، وغياب الرؤية الواضحة التى تعتمد على الهدف الأساسى، ومن المفترض أن يقدم الإعلام للمشاهد مواد إعلامية تحتوى على بدائل للأمور تجعل حياة المشاهد أفضل».

ويقول الدكتور محمد المرسى، أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة: «لدينا أكثر من 1000 قناة على النايل سات تقدم موضوعات لا يسمع عنها أحد شيئاً، ونلاحظ سيادة للبرامج التى تخرج عن القيم، وتعتمد على ابتزاز المشاهد، وعلى سبيل المثال توجد قنوات الإعلانات، والمسابقات وقنوات بير السلم التى تعرض إعلانات جنسية وسلعاً دوائية دون الحصول على تصاريح من وزارة الصحة»، وأضاف «المرسى»: «القنوات المعروفة لديها مذيعون دائمو الخروج عن المهنية والأخلاقيات، رغبة منهم فى جذب أكبر عدد من المشاهدين، إما فى اختيار موضوعات تافهة تتعمد تغييب المشاهد، كالجدل والشعوذة، أو نوعيات مثيرة للجدل، كالشيخ ميزو الذى استضافته إحدى الفضائيات، وأثار موضوع المهدى المنتظر القائم على بوست كتبه على فيس بوك وشاهده عدد محدود، وعندما تمت استضافته شاهده 10 ملايين شخص، أى يتم التسويق لهذه الأفكار، وكذلك حالة دكتورة الجامعة التى نشرت فيديو رقص على صفحتها تضاعف عدد مشاهديها بشكل مهول، فنترك الموضوعات الكبرى ونهتم بهذه الموضوعات».

وأرجع الدكتور عماد مكاوى، أستاذ بإعلام القاهرة، أسباب تدنى الخطاب الإعلامى وتراجع دور الإعلام، إلى وجود فراغ تشريعى ينظم عمل القنوات الخاصة، فلا يوجد من يحاسب، ولا يوجد نقابة للإعلاميين مثلاً على أرض الواقع إلى الآن، ونأمل أن الهيئات الجديدة تصلح الأمور المعوجة فى الفترة المقبلة، ونحتاج مظلة تشريعية جديدة، نأمل أن يتم استكمال قانون الإعلام وتفعيله حتى ينضبط الأداء.

وذكر «مكاوى» بعض الأمثلة لـ«الوطن»: «آخرها بعد أحداث كنيستى طنطا والإسكندرية نجد جريدة الأهرام بها 3 صفحات مليئة بصور الضحايا مع أن هذه الصور محرمة دولياً وتعمل نوعاً من الترويع للقراء، وتكرر هذا فى كثير من القنوات الخاصة»، وعن الحلول، قال «مكاوى»: «نأمل أن يساهم إنشاء نقابة الإعلاميين فى الحد من الفوضى، وكذلك القانون الموحد لتنظيم الصحافة والإعلام، وعن دور الهيئات المختصة بتنظيم عمل الصحافة والإعلام، التى تم تشكيلها مؤخراً، قال «مكاوى»: «بوادر عمل هذه الهيئات لا تبشر بخير».

وقال الدكتور شريف درويش اللبان، وكيل كلية الإعلام بجامعة القاهرة، إن «الفضائيات الخاصة تتلاعب بالمزاج العام للمصريين، كونها تركز على نقطتين رئيسيتين فى برامجها، أولاهما الاهتمام بالترفيه والتسلية، والثانية زيادة جرعة النكد المقدمة للمواطنين مساءً وحتى وقت متأخر من الليل»، وأضاف: «الدولة فى حالة يرثى لها، ونحن فى بلد من المفترض أن يسعى للبناء بعد ثورتى 25 يناير و30 يوينو، ويحتاج إلى أن يقف الكل معه، فنجد الفضائيات تقدم برامج التسلية والترفيه والشعوذة والجدل والمسابقات وجرعة النكد للناس بشكل مبالغ فيه، وبدلاً من أن تقدم هذه البرامج خطاباً إعلامياً يساعد المتلقى على مواجهة المشكلات، نجدها تنشر مناخاً تشاؤمياً يؤدى لإحباط الشعب بهدف اجتذاب فئات من المشاهدين»، وأكد: «برامج النكد تؤدى إلى زيادة السخط العام على الحكومة القائمة، ما قد يؤدى إلى حدوث اضطرابات اجتماعية خطيرة، أما الإغراق فى برامج التسلية فيعمل على تغييب المشاهدين عن القضايا التى تواجهها الدولة حالياً، مثل حربها الشرسة مع الإرهاب والفساد، إلى جانب مساعيها فى تنمية الدولة المصرية»، وتابع: «لدينا عدد كبير من القنوات تعتبر فارغة المحتوى، ولو تم رفع برنامج التوك شو الرئيسى منها لا نجد لها محتوى ذا قيمة»، وعن أسباب تراجع الأداء الإعلامى قال «اللبان»: «قد يرجع ذلك إلى أجندات خارجية لقنوات خاصة بتمويلات معينة من جهات خارجية بغرض تغييب وعى المصريين، أو لعدم وجود سياسة إعلامية وطنية مصرية تهدف لدعم الدولة».

وقال الدكتور عادل فهمى، أستاذ مساعد بقسم الإذاعة والتليفزيون، بكلية الإعلام بجامعة القاهرة: «سيطرة رأس المال على السياسة والإعلام أفقدته قدرته على أن يكون له رؤية موحدة، وأفقدته دوره كأحد روافد التنمية فى كل مجالاتها، والفوضى الإعلامية العارمة المتروكة لكل صاحب برنامج، أو صاحب قناة لطرح وجهة نظره باعتبارها صحيحة بالمطلق باتت غير مقبولة»، وأكد «فهمى» أن «وسائل الإعلام لا بد أن تربح، لذا يلجأ بعضها لمخاطبة الجمهور بلغة سطحية تجذبه أكثر مما تفيده، والإعلام فى مصر بعد فقدانه الهدف الإصلاحى فقد مكانته بين الإعلام العربى والعالمى، ولا نستطيع أن ننكر أن القنوات الموجهة الناطقة بالعربية مثل روسيا اليوم باتت بها نسب مشاهدة عالية ربما أكثر من قنوات مصرية رسمية وخاصة»

وعن دور نقابة الإعلاميين فى إصلاح الخلل فى المنظومة الإعلامية، قال الإعلامى حمدى الكنيسى، رئيس نقابة الإعلاميين، إن النقابة هى الجهة الوحيدة المنوط بها إصدار ميثاق الشرف الإعلامى، ومدونة السلوك المهنى، ومتابعة أداء كل إعلامى إذا كان يلتزم بالمعايير المهنية، يتم تقديره، ومن لا يلتزم تمارس النقابة بحقه عقوبات تبدأ بتوجيه اللوم ثم الإنذار ثم الإيقاف لمدة 6 أشهر، وصولاً إلى الشطب نهائياً من العمل الإعلامى، ومن تصدر النقابة قرار شطب بشأنه لا يستطيع ممارسة أى عمل إعلامى، وإلا تعرض لعقوبة جنائية، وأضاف «الكنيسى»: «عندما تبدأ النقابة عملها الفعلى تبدأ فى تطبيق المعايير المهنية، فإن الخطاب الإعلامى يصحح نفسه بنفسه، ونستكمل خطوات التأسيس فى الوقت الحالى، كما يجرى إعداد ميثاق الشرف الإعلامى ومدونة السلوك المهنى، ولجنة القيد تتلقى الطلبات»، وأكد رئيس نقابة الإعلاميين أن «قرارات النقابة ملزمة لجميع العاملين فى الإعلام، بكل شفافية لأنه لن يكون هناك أحد يعمل فى الإعلام إلا إذا كان عضواً فى النقابة أو حاصلاً على تصريح مزاولة المهنة منها، لمن لا تنطبق عليه شروط العضوية، وتسرى عليهم قوانين العمل بالنقابة، كالأعضاء تماماً»، لافتاً إلى أنه خلال أشهر قليلة بعد الانتهاء من العضوية ولجنة القيد، سيتم العمل بقوانين النقابة، وستقوم عدة جهات برصد البرامج، إضافة إلى أننا سنتلقى من المواطنين أو أى جهة الشكاوى من أى برنامج للتحقيق فيها واتخاذ اللازم من إجراءات».


مواضيع متعلقة