«الحمد لله.. حمادة مات شهيد»

كتب: خالد فهمى

«الحمد لله.. حمادة مات شهيد»

«الحمد لله.. حمادة مات شهيد»

الثلاثاء الماضى.. نهاراً. استشهد الملازم محمد ياسر حسنى برصاص مسجلين خطر فى مطاردة بمنطقة شبرا الخيمة انتهت بتلقيه رصاصة فى رقبته انتهت معها حياته. قبلها بيومين.. الأحد.. ليلاً. احتفل الشهيد مع أسرته بعيد ميلاده، أطفأ 22 شمعة قبل أن يحتضنه والده: «خلى بالك من نفسك يا حمادة.. عشان خاطرى وخاطر ماما يا حبيبى» فرد: «حاضر يا بابا».. ولم يتخيل الأب أن 48 ساعة فقط، كانت كل ما تبقى لنجله على ظهر الأرض. تُغرق الدموع وجه العميد ياسر حسنى وهو يجول ببصره فى الظلمة التى تحيط بمنزله: «مش عارف ليه الضلمة دى بتفكرنى بعيد ميلاد حمادة.. من يومين كنا طافيين النور عشان نطفى الشمع.. كان الجو زى كده بالضبط»، ويغيب الرجل بعينيه فى امتداد شارع طه الدينارى بمدينة نصر حيث يقيم، ويؤكد أن كل أبناء المنطقة الذين يعيشون فيها كانوا ينادون نجله بـ«حمادة»، وكانوا يحبونه لتواضعه وأدبه الشديد.. «لذلك يوم استشهاده كل شباب المنطقة وأصدقاؤه أحضروا كراسى ووضعوها فى الشارع وأخذوا يتلقون واجب العزاء حباً فى حمادة».[FirstQuote] يتابع الأب أنه عندما كان يطلب منه أن يتوخى الحذر فى عمله وأن يكون حريصاً، وخاصة فى الأيام الأخيرة التى كثر فيها البلطجة والسلاح فى أيدى البلطجية، كان يقول: «ربنا كبير ولن أتخاذل لحظة فى الوقوف ضد البلطجية أو نصرة أى مواطن ضعيف مهما كان الثمن، وإذا كانت حياتى ثمناً لإنصاف مظلوم فلن أتردد لحظه فى دفعها لنصرته». بحسرة واضحة يضيف الأب: «كان كلما شاهد جنازات الضباط، زملاءه الذين ضحوا بأرواحهم من أجل الوطن والمواطن، يقول: يا رب نفسى فى موتة زى دى، وعندما نقول له: ربنا يديك طولة العمر وتعيش، كان يرد: الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون» «الحمد لله.. دى دموع الفرح»، بهذه الجملة بدأ العميد هيثم حماد، عم الشهيد، حديثه وقال: «كلنا سعداء، دى دموع الفرح لأننا جميعاً نتمنى أن يحسن ربنا خاتمتنا مثله، فمن منا لا يتمنى الشهادة، فالكل يدفع الزكاة ويصلى ويذهب إلى الأراضى المقدسة عدة مرات، ونظل لمدة 50 سنة أو أكثر نواظب على كل الفروض وسنن النبى صلى الله عليه وسلم، وفى النهاية لا نعلم هل سوف يتقبلها الله منا ويدخلنا جنته أم لا، ولكن محمد دخل الجنة دون ذلك، والدليل على أن الله أراد به خيراً هو أنه لم يعمل كثيراً فى الشرطة بل تخرج فى شهر يوليو عام 2012 وهو حتى الآن ملازم ولم تتم ترقيته إلى ملازم أول، لذلك فلم يرتكب أى ذنب، وهذا فضل من الله عليه وعلينا». أمل حلمى، 40 سنة، والدة الشهيد قالت إن الشهيد هو أكبر أبنائها ولديها «نهى»، 17 سنة، فى كليه التجارة و«يحيى»، 21 سنة، حاصل على بكالوريوس تجارة.. وقالت: «أنا مش عايزة غير رحمة ربنا.. كنت عارفة إنه مش هيعيش». أمل أضافت: «لحظة تخرجه فى كلية الشرطة فى يوليو من العام الماضى انقبض قلبى عليه، وكل يوم كان يذهب فيه إلى عمله كنت فى حالة نفسية سيئة نظراً لتردى الوضع الأمنى فى البلاد من بعد الثورة، ويوم الاثنين الماضى وقبل الذهاب إلى عمله كعادته قبّل يدى وطلب منى أن أدعو له وأدى صلاة المغرب وخرج، وكان من المفترض أن يعود الساعة 9 صباحاً، واتصلت به عدة مرات ولكن وجدت هاتفه المحمول مغلقاً فاتصلت بالبيت وسألت والده فقال لى: ربما يكون الهاتف فصل شحن، وفى الساعة العاشرة صباحاً اتصل بى والده وطلب منى أن أخرج من العمل لأنه ينتظرنى فى الخارج وعندما وجدته قلت له: محمد حدث له شىء فأكد لى أنه بخير والحمد لله وأنه أصيب فقط، فذهبنا جميعاً إلى القليوبية، لنجد محمد قد استشهد». ودخلت الأم فى وصلة بكاء وهى تقول: محمد لم يكن خاطباً لأنه ظل فتره الأربع سنوات أثناء دراسته فى كلية الشرطة بعيداً عنا، وكنا نريد أن يظل بجوارنا لفترة حتى نشبع منه ونعوّض غيابه فى فترة الدراسة فى الكلية.[SecondQuote] يحيى، 21 سنة، شقيق الشهيد قال إن حمادة كان شقيقه الأكبر وصديقه وصاحبه وكل شىء له فى الحياة، وكان عندما يتحدث له يروى الأحلام الكبيرة التى بداخله والتى يتمنى أن يرى فيها مصر، كان يحلم بعودة الأمن الغائب من بعد الثورة، وحتى أثناء وجوده فى كلية الشرطة كان يتمنى لحظة تخرجه حتى يساعد زملاءه الضباط فى إعادة الأمن مرة أخرى، وبعد تخرجه عندما كان يسمع أن أحد أصدقائنا قد تعرض لحادث سرقة سيارته كان يتألم لأنه لا يستطيع عمل شىء له، ولكن كان يتمنى أن يرى البلد فى أحسن حال. وأضاف يحيى أنه عندما كان يطلب من حمادة أن يخبره عن وجود أى مشروع زواج فى القريب كان يجيب بأنه فى الوقت الحالى قد تزوج الشرطة وعمله، ولن يأتى بمن تأخذه من عمله وكفاحه ضد البلطجية، ويقول: على الرغم أن استشهاد حمادة كان أمنيته فإن الفراق صعب.[ThirdQuote] نهى، 17 سنة، طالبة بكلية التجارة، شقيقة الشهيد، قالت إنه رغم أن الفارق فى السن بينها وبين حمادة لا يتعدى الخمس سنوات فإنها كانت تعتبره بمثابة والدها، لكثرة حنانه عليها وحسن معاملته لها والخوف الشديد عليها، وأضافت بأن شقيقها كان أكبر من سنه بكثير، رغم أنه لم يمر سوى عام واحد على تخرجه فى كلية الشرطة، ومن كثرة حب زملائه له تم عمل جنازة له فى القليوبية وأخرى من مسجد الشرطة فى الدراسة.