محمود الكردوسى يكتب: انت «زعيم» والنعمة كويس

كتب: محمود الكردوسى

محمود الكردوسى يكتب: انت «زعيم» والنعمة كويس

محمود الكردوسى يكتب: انت «زعيم» والنعمة كويس

ضاق عادل إمام فى نهاية (النوم فى العسل) بـ«عجز» مسئولى الحكومة وأعضاء البرلمان أمام حالة «عجز جنسى» جماعى غامضة. تخلى عن صلاحياته كضابط مباحث جنائية، وتقنع بمسوح «دون كيشوت»، وهبط على الناس فى الحارات والشوارع والمقاهى والدواوين: «عايزين تتعالجوا.. قولوا ورايا.. آه.. آه». ثم هدأ غبار الكارثة، والتأم الجرح، واستراح الجميع داخل شاشة العرض وخارجها، ولم يبق من هذا المشهد القاسى سوى حسرة اكتشاف الرجل أنه «ليس رجلاً»، وحزمة أسهم أضيفت إلى محفظة «نجم النجوم».

¶ ¶ ¶

مشوار طويل بدأه الأستاذ «دسوقى المحامى» سنيداً فى قطار ضواحى، لا يترك رصيفاً دون أن يتوقف ليلتقط موقفاً أو جملة حوار: «يا ابنى عايزك تغرقه. عايز غرق حقيقى. 39 عاشر مرة.. أكشن». مشوار طويل بدأه الشاب «عادل محمد إمام محمد بخارينى» -خريج زراعة القاهرة- «كومبارس» فى مسرحية (ثورة قرية) التى أخرجها الراحل حسين كمال عام ١٩٦١، وصولاً إلى «زعامة فنية»، ربما لا يقابلها فى عالم السياسة سوى زعامة جمال عبدالناصر (ولمن لا يعرف، فإن عادل إمام «ناصرى» بالمعنى الوجدانى). وبين ضآلة الكومبارس وامتلاء الزعيم، عشرات، بل مئات الأدوار والأقنعة، لكن الوجه واحد: وجه النجم «عادل إمام» الممصوص، بعينيه الحادتين، وعظمتى وجنتيه البارزتين، وهيئته البسيطة، وحضوره النافذ: «ده أنا غلبااااان».

كان صعود عادل إمام جزءاً من حالة اندفاع سياسى واجتماعى واقتصادى وثقافى عام. كانت مصر خارجة لتوها من أتون «آخر الحروب». وكان قطار انفتاح السادات قد غادر محطته الأولى، وبدأت السماء تمطر عسلاً ولبناً، و«الناس عايزة تنبسط». غرق المصريون فى بحر فلوس ووعود، وثقلت الرؤوس، وانتفخت الكروش. وعلى أحد مسارح القاهرة كانت مجموعة من الممثلين الصاعدين تؤسس -من خلال نص على سالم (مدرسة المشاغبين)- لأول تعبير ثقافى عن المرحلة: «المنطلق الفكرى بتاعنا فى تطفيش الست دى ينبع من إحساسنا المنعكس بقضايا معاصرة.. اللى هيه دراع مرسى.. وماحدش يسألنى فى اللى أنا قلته لأنى مش فاهم حاجة»!. من هذه المدرسة خرج نجوم أفلام مقاولات ومسرح كباريه. وخلت الساحة تماماً من «زعيم»، على الرغم من كثرة النجوم: نور الشريف ومحمود ياسين وحسين فهمى وغيرهم. ولم يكن هناك من هو أذكى وأصلح من عادل إمام: «أنا الزعيم الأباصيرى.. فى إسكندرية مفيش غيرى».

لن أسميها «صفقة». سأقول: عقد اجتماعى بين عادل إمام وجمهوره. أعطنى عرشاً، ودعنى أحب وأسرق وأقتل وأحلم وأغنى نيابة عنك، وهكذا تحول عادل إمام بالفعل إلى «زعيم». ثم ضاقت السينما بما رحبت، فسافر إلى أسيوط (مسقط رأس التطرف) وعرض مسرحيته (الواد سيد الشغال). ووقف يتلقى العزاء فى الدكتور فرج فودة (تذكر مشهد اغتياله فى «إرهابى» نادر جلال ولينين الرملى). وتصدر المحتفين بعودة الحياة إلى مقهى (وادى النيل) الذى فجره متطرفون نكاية فى «حكومة كافرة» وجمهور ساكت عن الحق. وأخيراً تحدث الزعيم: «الرقابة لا تستطيع إسكات عادل إمام.. لأن قوة الجماهير تسانده».

ذات يوم سخر من المثقفين، وكان محقاً. وصفهم فى حوار لمجلة «الوسط» السعودية، التى كانت تصدر عن «دار الحياة» وتوقفت فيما بعد، بأنهم «منعزلون تماماً. مكشرين جداً.. مش فاهم ليه!. يريدون أن تقتصر كل الأفلام على مناقشة السياسة. أما مثقفو الفن فهم أنانيون. يتصورون أنهم الوحيدون العالمون والعارفون بالمسائل الفنية». وبعد اغتيال الرئيس السادات على أيدى متطرفين إسلاميين، أصبح مطلوباً من المثقفين أن يختاروا بين ولاءين: السلطة أو المتطرفون. واختار عادل إمام معسكر السلطة، لكنه ذهب فى نهاية (غول) وحيد حامد (١٩٨٢) إلى رأس السلطة -«فهمى الكاشف»- فى عقر داره، وانقض على جمجمته بالساطور، عملاً بمقولة: «السمكة تفسد من رأسها».

ارتبطت زعامة عادل إمام من البداية بظهور طبقة الأغنياء الجدد الذين أطلقهم انفتاح السادات فى سبعينات القرن الماضى، ووصفهم فى الحوار المشار إليه لمجلة «الوسط» عام 1989 بأنهم «عصب مصر، الذين ينتجون ويستهلكون». هذه الطبقة هى التى موَّلت نجومية الزعيم، ويقال إنها شجعته على رفع أجره للمرة الأولى إلى 60 ألف جنيه بعد أن تجاوزت إيرادات فيلم (رجب فوق صفيح ساخن) المليون جنيه فى 1979. وكان «عادل» من الذكاء والوفاء لجمهوره بحيث رفض عرض «اليوسفين، إدريس وشاهين»، اللذين كانا قد ذهبا إليه ببطولة (حدوتة مصرية). وبذلك ضمن لنفسه مساراً منفرداً لا ينازعه فيه أحد، ولا تهدده موجات كوميدية أو اتجاهات فنية، بما فى ذلك «الواقعية الجديدة» التى كانت فى أوج ازدهارها فى ذلك الوقت (الثمانينات)، ولم يتقاطع معها إلا فى عملين هما «حريف» محمد خان و«أفوكاتو» رأفت الميهى.

وفى النصف الأول من تسعينات القرن الماضى، عندما بدا أن الطبقة المتوسطة لم تعد طرفاً فى معادلتى السياسة والاقتصاد، أصبح عادل إمام يتحدث كثيراً عن المنتمين لهذه الطبقة، وعن التزامه بالتعبير عن أحلامهم ورغباتهم، والدفاع عن حقوقهم فى مواجهة تحالف «الفساد والتطرف». هنا تحالف بدوره مع اثنين من أمهر صناع السينما: وحيد حامد مؤلفاً وشريف عرفة مخرجاً، وقدم ثلاثتهم عدداً من الأفلام الجادة فنياً وتجارياً، التى بحثت فى الجذور الاجتماعية والثقافية لظاهرة الإرهاب، مثل (اللعب مع الكبار) و(النوم فى العسل) و(الإرهاب والكباب) و(طيور الظلام). وفى النصف الثانى من التسعينات هبت زوابع كوميديا جديدة، بممثلين جدد، خرج أغلبهم من عباءة الزعيم، وكان أكثرهم حظاً سنيداً فى أفلامه. تقلص الهاجس السياسى فى الأفلام إلى مستوى حرق علم إسرائيل. واقتحم المطربون بورصة نجوم السينما بكل ثقل ظاهرة الفيديو كليب. وأصيب المخرجون والمنتجون بحمى بحث عن مواقع تصوير سياحية داخل مصر وخارجها. ورفع سينمائيون شعار «السينما النظيفة»!. وفى المقابل، ظل عادل إمام وفياً لرسالته: كفنان أولاً، وزعيماً لجمهورية الفن فى مصر والعالم العربى ثانياً، ثم كسفير للنوايا الحسنة فى المفوضية العليا لشئون اللاجئين. وحتى فكرة «الزعامة» لم تكن مجرد لقب أو تسمية مجانية فى مشوار عادل إمام. ففى عام 1993 قدم مسرحيته المعروفة (الزعيم)، رافعاً فى نهايتها شعاراً سياسياً ناضجاً: «الأحلام بالناس تتحقق». لكن المسرحية أوقعت جمهور عادل إمام أكثر من ذى قبل فى هوى «نجم النجوم». وكتب الناقد الأدبى الراحل رجاء النقاش فى مجلة «الكواكب»: «شيلوا الممثل ده من قدامى.. حتى أستطيع أن أسيطر بعقلى على ضحكاتى وأبدو أمام الناس رجلاً محترماً». وبينما يصطف الممثلون واحداً تلو الآخر فى نهاية العرض وسط تصفيق المتفرجين، ترك «عادل» خشبة المسرح واقتحم الصالة والتقط رجلاً عجوزاً يجلس فى الصفوف الأولى، ثم صعد به إلى الخشبة على مهل وفى وقار بالغ، فإذا به فؤاد المهندس. كانت لفتة رائعة فى الحقيقة، إذ ما كان ممكناً لعادل إمام أن يدع الفرصة تمر من دون أن يعترف أمام جمهوره بفضل فؤاد المهندس عليه عندما كان الأخير نجماً يلهب قاعات المسرح، وكان عادل كوميدياناً واعداً، لفت إليه الأنظار بجملته الشهيرة «بلد شهادات صحيح».


مواضيع متعلقة