«الوطن» فى رحلة تسوق مع «أبوالغيط» لشراء مستلزمات رمضان

كتب: جهاد عباس

«الوطن» فى رحلة تسوق مع «أبوالغيط» لشراء مستلزمات رمضان

«الوطن» فى رحلة تسوق مع «أبوالغيط» لشراء مستلزمات رمضان

يخرج من وسط زحام محطة مترو المرج، رجل فى الـ60 من عمره، يرتدى قميصاً واسعاً، وعلى بنطاله وحذائه تظهر آثار عمله فى ورشة النجارة، مسلم أبوالغيط، أب لـ5 أبناء، عمل موظفاً فى شركة مقاولات كبرى، حتى خرج للمعاش المبكر عام 2005، رب أسرة متوسطة الدخل، اعتاد أن يقضى كافة متطلبات بيته بنفسه.

{long_qoute_1}

يخترق شارع مجاهد، وهو أحد الشوارع التجارية شديدة الزحام فى منطقة المرج، يمضى نصف ساعة متواصلة، يتصبب فيها عرقاً، وجهه تشوبه الحمرة من شدة حرارة الجو، يقف متأملاً ضالته، أحد محلات العطارة الكبيرة، تقدم عروضاً بأسعار مخفضة احتفالاً بافتتاحها حديثاً، يتأمل «أبوالغيط» أسعار الياميش فى ذهول، يقول: «أقل كيلو بلح بـ20 جنيه، والزبيب المصرى بـ48 جنيه، والزبيب التركى بـ60 جنيه، والعرقسوس بـ38 جنيه».

يشير «أبوالغيط» إلى المكسرات: «الحاجات دى مش بتاعتنا، اللوز المقشر بـ168 جنيهاً، البندق المقشر بـ200، جوز الهند 70 جنيهاً، وعين الجمل والبندق بقشره 96 جنيهاً»، يضحك «أبوالغيط» أثناء حديثه مع البائع: «إحنا آخرنا نجيب شوية سودانى ونحطهم على الكنافة، دى بقت أحجار ياميش كريمة»، بينما يرد عليه البائع: «والله يا عمى الناس بتيجى تاخد ربع كيلو من أى حاجة وتمشى».

يحكى «أبوالغيط» أن معاشه 1600 جنيه، ولديه مشروع صغير للنجارة، يعمل فيه وحده، فيسنده بدخل شهرى نحو 1400 جنيه أخرى، ويضيف: «طبعاً علشان أجوز ابنى أخدت قرض من بنك ناصر بدفع فيه 1000 جنيه، وأهى الأمور ماشية». وعن طقوسه الأسرية فى شهر رمضان: «أول يوم بجمع كل الولاد عندى، وبنجيب يا إما دكر بط يا إما 3 فرخات، علشان عددنا كبير، عندى بنت فى جامعة حلوان، والتانية متجوزة، و3 صبيان شغالين كلهم قطاع خاص، منهم اتنين متجوزين».

يتجول «أبوالغيط» فى المحل، ثم يقف أمام أكوام من أكياس الأرز، يتأكد من السعر المدون عليها، فيجيبه صاحب المحل: «أيوة عليه عرض الكيلو بـ6 جنيه بس»، فيبتاع أبوالغيط 5 كيلو أرز. يقول: «من حظنا إن رمضان بييجى فى الصيف، ربنا بيعوضنا بالفواكه والعصاير، الموز لما بينزل عن 5 جنيه بنشتريه، فوق الـ5 جنيه ما بنجيبهوش، والبطيخة بـ20 جنيه». يوضح «أبوالغيط» أن ارتفاع الأسعار، كان له تأثير فى تغيير الحياة الاجتماعية لدى كثيرين: «كنا بنعزم أسرة من قرايبنا كل يوم فى رمضان، على ما يكون الشهر خلص نبقى عزمنا كل العيلة والعيلة عزمتنا، مبقاش بيحصل الكلام ده»، يكمل «أبوالغيط» ويذكر أن أول معاش حصل عليه فى 2005 لم يكن يتجاوز 300 جنيه، بالإضافة إلى الدخل البسيط الذى كان يشارك به ابنه الأكبر، ويضيف: «والله وقتها الفلوس كان ليها قيمة دلوقتى الدخل زاد لكن مبقيناش عارفين نجيب أى حاجة».

يمضى «أبوالغيط» حاملاً أكياس الأرز، التى نجا بها من وسط تدافع الزبائن، ويتوجه إلى جمعية النيل الاستهلاكية، يشتد صخب البائع، وهو يرد على تذمر الأهالى: «نعمل إيه؟ كيلو اللحمة البرازيلى زاد 21 جنيه فى يوم واحد»، يسأله «أبوالغيط»: «بقى بكام»، فيجيبه البائع: «بـ69 بدل 48 جنيه». يقول «أبوالغيط»: «كنت الأول بدفع 50 جنيه آخد كيلو لحمة ويتبقالى 2 جنيه، دلوقتى هاضطر أشترى كيلو إلا ربع»، يتوجه «أبوالغيط» إلى الجانب الآخر من الجمعية الاستهلاكية، ويطلب من البائع الدجاج بدل اللحم، يخرج البائع كيساً ويقدمه لأبوالغيط، يتفحص الوزن المدون على الكيس، ويسأله عن السعر، ليفاجأ بأن سعر كيلو الدجاج البلدى فى الجمعية الاستهلاكية زاد ليصل إلى 35 بدلاً من 28 جنيهاً.

يقول سلامة، أحد الباعة فى الجمعية الاستهلاكية: «كنت ببيع بـ40 ألف جنيه لحمة فى اليوم، من ساعة ما زادت كده من إمبارح بايع بـ 6 آلاف بس اللى ييجى يسأل ويمشى»، يدفع «أبوالغيط» ثمن كيلو الدجاج وينصرف. يقول: «الناس راضية بقليلها، بس مبقتش عارفة تجيبه، الياميش مش لينا، ولا اللحمة البلدى اللى وصلت لـ120 جنيه و150 جنيه، الناس كانت بتاخد حتة لحمة مستوردة وتأكل عيالها، دلوقتى اللحمة المستوردة، لو فيه محل مش جمعية بقت بـ90 جنيه، وإزاى الأسعار تزيد تانى قبل رمضان».

يضيف «أبوالغيط» أنه أثناء عمله فى شركة أطلس للمقاولات، كان يشرف على 20 عاملاً، وظن بعد خروجه إلى المعاش، أنه سيعيش حياة كريمة هادئة، وسيرتاح قليلاً من الحمول التى أثقلت كاهله، لكن لم تسر الأمور كما تمنى: «فى أى دولة فى العالم، الموظف بعد ما بيطلع على المعاش بيرتاح، بيبقى معاه فلوس وتأمين صحى وحساب الرحلات، أنا شقيت أكتر بعد ما كبرت، وبدل ما كنت بشرف على عمال، بقيت بشتغل بإيدى نجارة، علشان أزود دخلى، الناس كلها دلوقتى بتشتغل شغلانتين ومش عارفين يعيشوا». يضيف «أبوالغيط» أنه اعتاد على شراء كافة متطلبات بيته بنفسه، حتى إن زوجته لا تعرف أسعار الفواكه والخضار الآن بعد الزيادة، وأنه تعلم فن الشراء، والبحث عن العروض الجيدة، التى تساعده على التوفير، يقول «أبوالغيط»: «فى عيد الأضحى بروح المدبح استلقط لحمة كويسة من عند زين العابدين، وأهى الأمور ماشية، بس كل رمضان بقى أصعب من رمضان اللى قبله، الأسعار فى زيادة مخيفة»، ويضيف أن الـ100 جنيه لم تعد كافية لتوفير وجبة غداء لأسرة متوسطة الدخل، خاصة أن أسرته مكونة من 4 أفراد فقط، بعد زواج بقية الأبناء، وبالرغم من ذلك أصبح توفير وجبة الإفطار فى رمضان مكلفة، أما الأقل دخلاً، فأصبحت ظروفهم شديدة القسوة.

وقبل أن يمضى بظهر منحن، حاملاً الأكياس التى اشتراها، يقول «أبوالغيط»: «والله أنا شايل هم العيال اللى اتجوزوا وفتحوا بيوت، مش عارف، هيكفوا مصاريفهم إزاى؟».


مواضيع متعلقة